ابراهيم بن عمر البقاعي

109

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا ، فلم تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية ، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة ، اقتضى ذلك عظم تشوفه صلّى اللّه عليه وسلّم إليها لعظم حرصه صلّى اللّه عليه وسلّم على هداية الخلق ، فأمره بأن يذكرها مكررا إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساة ، فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل على صدقها ، دعاء لا أعدل منه ، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم والاختصاص بأمر دونهم ، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال سبحانه وتعالى : قُلْ ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفا بهم بما يحبون فقال : يا أَهْلَ الْكِتابِ إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم تَعالَوْا أي ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به إِلى كَلِمَةٍ ثم وصفها بقوله : سَواءٍ أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ثم فسرها بقوله : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ أي لأنه الحائز لصفات الكمال ، وأكد ذلك بقوله : وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً أي لا نعتقد له شريكا وإن لم نعبده . ولما كان التوجه إلى غير اللّه خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة الافتعال فقال : وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً أي كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون . ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية نبه على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد ، والاجتراء على ما يختص به اللّه سبحانه وتعالى فقال : مِنْ دُونِ اللَّهِ الذي اختص بالكمال . ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسببا عن ذلك مشيرا بالتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون : فَإِنْ تَوَلَّوْا أي عن الإسلام له في التوحيد فَقُولُوا أنتم تبعا لأبيكم إبراهيم عليه السّلام إذ قال : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ