ابراهيم بن عمر البقاعي

49

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ذلك ، وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد ، وختم بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة ؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء بخلاف ما في الإسراء ، فَهُمْ أي فتسبب عن ذلك أنهم لا ولما كان المراد التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال : يَرْجِعُونَ أي عن طغيانهم وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ينتقلون عن حالهم هذا أصلا ، لأنهم كمن هذا حاله ، ومن هذا حاله لا يقدر على مفارقة موضعه بتقدم ولا تأخر . أَوْ مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد كَصَيِّبٍ أي أصحاب صيب أي مطر عظيم ، وقال الحرالي : سحاب ممطر دارّ ثم اتبعه تحقيقا لأن المراد الحقيقة قوله : مِنَ السَّماءِ وهو كما قال الحرالي ما علا فوق الرأس ، يعني هذا أصله والمراد هنا معروف ، ومثل القرآن بهذا لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه القلوب كما أن الصيب يحيي الأرض ، ثم أخبر عن حاله بقوله : فِيهِ ظُلُماتٌ أي لكثافة السحاب واسوداده وَرَعْدٌ أي صوت مرعب يرعد عند سماعه وَبَرْقٌ أي نور مبهت للمعانه وسرعته - قاله الحرالي ، والظلمات مثل ما لم يفهموه ، والرعد ما ينادى عليهم بالفضيحة والتهديد والبرق ما يلوح لهم معناه ويداخلهم رأي في استحسانه . ولما تم مثل القرآن استأنف الخبر عن حال الممثل لهم والممثل بهم حقيقة ومجازا فقال : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ أي بعضها ولو قدروا لحشوا الكل لشدة خوفهم فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ أي من أجل قوتها ، لأن هولها يكاد أن يصم ، وقال الحرالي : جمع صاعقة « 1 » وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد ، ثم علل هذا بقوله : حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ فلا يغنيهم من قدره حذر ، وأظهر موضع الإضمار لإعراضهم عن القرآن وسترهم لأنواره . ثم استأنف الحديث عن بقية حالهم فقال : يَكادُ الْبَرْقُ أي من قوة لمعه وشعاعه وشدة حركته وإسراعه يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ فهم يغضونها عند لمعه وخفضه في ترائبه ورفعه ، ولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة كان كأنه قيل : ماذا يصنعون عند ذلك ؟ فقال : كُلَّما وعبر بها دون إذا دلالة على شدة حرصهم على

--> ( 1 ) الصاعقة قصفة رعد هائل معها نار لا تمر على شيء إلا أتت عليه والصعق هو شدة الصوت ، وقد يطلق على كل هائل مسموع ، أو مشاهد ، ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق ، أو شدة الصوت .