ابراهيم بن عمر البقاعي
21
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان . اعلم أن اللّه سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم جمعا في السبع المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهرها في الختم عند تمام أمر الخلق وظهور بادىء الحمد بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم يظهرها قبل ذلك ، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ليتم الأمر مسمعا ومرأى وذلك لمن يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من أمره كل أمر ، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنشّؤ الخلق وبدو الأمر على حسب ذلك الأمر صحفا فصحفا وكتابا فكتابا ، فالصحف لما يتبدل سريعا ، والكتاب لما يثبت ويدوم أمدا ، والألواح لما يقيم وقتا . ففي التوراة أحكام اللّه على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء ، وفي القرآن منها ما شاء اللّه وما يظهره الفقه من الحدود ، ومعارف الصوفية من مؤاخذة المصائب ؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام والإعلام بأن المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت ، وفي القرآن منها ما شاء اللّه مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية ، وفي الزبور تطريب الخلق وجدا وهم عن أنفسهم إلى ربهم ، وفي القرآن منه ما شاء اللّه مما تظهره الموعظة الحسنة ، ثم أنهى الأمر والخلق من جميع وجوهه ، فصار قرآنا جامعا للكل متمما للنعمة مكملا للدين الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] الآية ، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . وإن إلى ربك المنتهى . ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع ، فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة ، واحدة إثر واحدة ، والجوامع في أم القرآن منتظمة واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص عنه ؛ أظهر تعالى بما له سورة صورة تجليه من بدء الملك إلى ختم الحمد ، وبما لعبده سور مصورة تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو القرآن العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلا من مبينه وهو ما عوينت آية مسموعة ، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ما علم ، يعلم ما شهد فكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه ، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق