ابراهيم بن عمر البقاعي

18

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الذي تشتت الآراء وتفرقت الفرق بالميل إلى واحد من جانبيه وهو الذي ينصب مثاله . وعلى حذو معناه بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب ، تجري أحوال الناس معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها التي ابتداء في يوم العمل ، وهذا الصراط الأكمل وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له ، وهو ضلال ممدوح لأنه يكون عن سلامة الفطرة لأن من لا علم له بوجهة فحقه الوقوف عن كل وجهة وهو ضلال يستلزم هدى محيطا منه وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 6 ] وأما من هدى وجهة ما فضلّ عن مرجعها فهو ضلال مذموم لأنه ضلال بعد هدى وهو يكون عن اعوجاج في الجبلةانتهى . ثم أكد سبحانه وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبها بهذا التأكيد الذي أفاده الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فأشار إلى أن الاعتصام به في اتباع رسله ، ولما كان سبحانه عام النعمة لكل موجود عدوا كان أو وليا ، وكان حذف المنعم به لإرادة التعميم من باب تقليل اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل النعمة وهم أهل الخصوصية . يعني لو قيل : اتبع طريق أهل مصر مثلا لا أهل دمشق ، علم أن المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه متعاطفاه كما صرحوا به ، بخلاف ما لو قيل : اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة ، فإنه يعلم أن الظلمة منهم ، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا بالإيجاد ، ومن المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد السؤال حينئذ ، فعرف أن المسؤول إنما هو طريق أهل النعمة بصفة الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان أضدادهم تحذيرا منهم ، فعرف أنهم قسمان : قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله بالعمل فاستوجب الغضب ، وقسم لم يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب فقال مخوفا بعد الترجية ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفا بأن النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي الذين تعاملهم معاملة الغضبان لمن وقع عليه غضبه ، وتعرفت « غير » لتكون صفة للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل : الحركة غير السكون ، ولما كان المقصود من « غير » النفي لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة على بناء الكلام بادىء بدء على إخراج المتلبس بالصفة وصونا للكلام عن إفهام أن ما يعد أقل ودون لا وَلَا الضَّالِّينَ فعلم مقدار النعمة على القسم الأول وأنه لا نجاة إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامدا أو مخطئا شقي ليشمّر أولو الجد عن ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء آثارهم للفوز بحسن جوارهم في سيرهم وقرارهم .