ابراهيم بن عمر البقاعي
16
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بين قراءة « مَلِك » وقراءة مالِكِ جاءت الرواية بهما ، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض ، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للملك سوى هذا ، ولما لم تفد إضافته إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في مَلِكِ النَّاسِ [ الناس : 2 ] . فلما استجمع الأمر استحقاقا وتحبيبا وترغيبا وترهيبا كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا مقدما للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة : إِيَّاكَ أي يا من هذه الصفات صفاته ! نَعْبُدُ إرشادا لهم إلى ذلك ؛ ومعنى نَعْبُدُ كما قال الحرالي : تبلغ الغاية في أنحاء التذلل ، وأعقبه بقوله مكررا للضمير حثا على المبالغة في طلب العون وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيده : فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات ، ثم دل عليه بالأفعال ، ثم رقي إلى الصفات ، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط ، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الأفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة ، فهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجة في الدعاء والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضي اللّه عنها : « أعوذ بعفوك من عقوبتك ، وبرضاك من سخطك ، وبك منك » « 1 » ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 2 » وفي آخر سورة اقرأ « 3 » شرح بديع لهذا الحديث .
--> - 136 وابن ماجة 838 ، 3784 وعبد الرزاق 2767 و 2768 وابن خزيمة 490 ، 502 ومالك 1 / 84 وابن حبان 776 وأحمد 2 / 241 ، 457 ، 478 كلّهم من حديث أبي هريرة . ولفظ مسلم : « قال اللّه تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد الحمد للّه ربّ العالمين قال اللّه تعالى : حمدني عبدي وإذا قال : الرحمن الرحيم . قال اللّه تعالى : أثنى عليّ عبدي . وإذا قال ؛ مالك يوم الدين . قال : مجّدني عبدي . وقال مرّة : فوّض إليّ عبدي . فإذا قال : إيّاك نعبد ، وإيّاك نستعين . قال : هذا بيني ، وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل . فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ، ولا الضالّين قال : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل » . ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 486 وأبو داود 879 والترمذي 3493 والنسائي 2 / 210 ، 222 و 1 / 102 ، 103 ومالك 1 / 214 وعبد الرزاق 2883 و 2881 والطحاوي 1 / 234 والبيهقي 1 / 127 وابن خزيمة 655 ، 671 وابن حبان 1932 وأحمد 6 / 58 ، 201 كلّهم من حديث عائشة وله قصة ولفظ مسلم : اللّهم أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . ( 2 ) هو المتقدم . ( 3 ) أي سورة العلق .