يوسف بن الأحمد بن عثمان ( الفقيه يوسف )
173
تفسير الثمرات اليانعه والاحكام الواضحه القاطعه
وروي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت ، فبينما هي بظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا له ، فتحرك قلبها للولد وتمنته ، فنذرت كما ذكر ، وسمتها مريم ؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة ، فأرادت أن يكون فعلها مطابقا لاسمها وفي هذه الآية دلالة على جواز تمني الولد ، وعلى حسن اختيار الاسم بما يحسن معه المعنى ، وحسن التفاؤل في الأمور . وقولها : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ آل عمران : 36 ] دلالة على حسن تعويذ الأولاد ، وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يعوذ الحسنين عليهما السلام ، فيقول : ( أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة ) حتى نزلت المعوذتان . فكان يعوذهما بهما . قال الزمخشري : وما يروى من الحديث ( ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد ، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها ) فإن صح الحديث فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها ، فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما ، لقوله : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ الحجر : 39 - 40 ] واستهلاله صارخا من مسه على سبيل التخييل ، لا أنه أراد حقيقة المس ، والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلّا ، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا مما يبلو به من نخسه ، ونحو هذا من التخييل ، قول ابن الرومي : لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها * لأفسح مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه * بما سوف يلقى من أذاها يهدّد