أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
89
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ في قراءة من ضمّ الياء ، ولذلك عدل بعضهم إلى عبارة أخرى ؛ قال : وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب ، والمدّ في المكروه . ومعنى الآية أنّ إخوان الشياطين تمدّهم الشياطين . وعلى هذا الوجه فالخبر جار على غير من هو له . وقيل غير ذلك ، إلا أنّ ما ذكرته عليه العامة . وفي الآية أوجه أخر حرّرتها في « الدر » . قوله : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ « 1 » أي يمهل لهم ويطيل لهم . قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ « 2 » أي بسطه ، قوله : فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا « 3 » أي يمهله ويطيل عمره ويوسع عليه استدراجا له ، وهذا لفظه أمر ومعناه خبر ، لأنّ اللّه تعالى لا يأمر نفسه ، ولكنّه إذا جاء الخبر بلفظ الأمر كان أوكد . وقيل : المعنى أنّ اللّه تعالى جعل جزاء ضلالته إمداده فيها . قوله : وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً « 4 » أي زيادة ، ومنه الحديث : « مداد كلماته » « 5 » أي مثلها وعددها . وقيل : المداد مصدر كالمدد ؛ مددت الشيء مدّا ومدادا . وبنو فلان بنوا بيوتهم على مداد واحد وعران واحد ومثال واحد ، كلّه بمعنى . وأصل المدّ الجرّ والطول ، ومنه المدّة للوقت الممتدّ ، ومدّة الخرج . ومدّ النهر ومدّه مثله . وقال عثمان رضي اللّه تعالى عنه لبعض عماله : « بلغني أنك تزوجت امرأة مديدة » « 6 » يقول : طويلة . ورجل مديد : أي طويل . والطويل والمديد بحران معروفان ، وفي حديث آخر : « ينبعث منه ميزابان من الجنة مدادهما أنهار الجنة » « 7 » أي : يمدّهما أنهارهما . قوله تعالى : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ « 8 » كناية عن التطلّع لما في أيديهم من زخارف الدنيا وتقليب التجارات والأولاد وغير ذلك . والمراد أمته عليه الصلاة والسّلام ؛
--> ( 1 ) 15 / البقرة : 2 . ( 2 ) 45 / الفرقان : 25 . ( 3 ) 75 / مريم : 19 . ( 4 ) 109 / الكهف : 18 . ( 5 ) النهاية : 4 / 307 . ( 6 ) المصدر السابق : 4 / 309 . ( 7 ) النهاية : 4 / 307 . ( 8 ) 88 / الحجر : 15 .