أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

78

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

عامّ في جميع ذلك . قال « 1 » : ولهذا لما أراد الباري عزّ وجلّ نفي التّشبيه عن ذاته المقدّسة من كلّ وجه خصّه بالذّكر دون بقية الألفاظ المذكورة . فقال تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 2 » قيل : وجمع بين كاف التشبيه ولفظ المثل تنبيها على إرادة تأكيد النّفي ، وتنبيها على أنه [ لا ] يصحّ استعمال المثل ولا الكاف ، فنفى ب « ليس » الأمرين جميعا . وقال بعضهم : الكاف مزيدة إذ لو لم يقل ذلك للزم ثبوت مثل لله تعالى إذ يصير التقدير : ليس مثل مثله شيء ، وهو محال . وقيل : المثل هنا بمعنى الصّفة ، ومعناه : ليس كصفته صفة ، تنبيها على أنه وإن وصف بكثير ممّا يوصف به البشر فليس تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر . وقيل : المثل يجيء بمعنى الذات نحو قولهم : مثلك لا يفعل كذا . يريدون أنت لا تفعل كذا ، وهو أبلغ منه ، وأنشدوا : [ من الطويل ] على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وإن بات من ليلى على الناس طاويا يريدون : على ليلى ، بدليل قوله : وإن بات من ليلى . وقد منع اللّه من ضرب المثل له تعالى بقوله : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ « 3 » . وقد نبّه أنه يضرب لنفسه المثل ، ولا يجوز أن نقتدي به في ذلك ، فقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 4 » ثم ضرب لنفسه مثلا فقال : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً « 5 » الآية . قال بعضهم : وفيه تنبيه أنه لا يجوز أن نصفه بصفة ممّا يوصف به البشر إلا ما وصف به نفسه . قوله : لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى « 6 » أي لهم الصفات الذّميمة وله تعالى الصفات العلى .

--> ( 1 ) يريد الراغب في المفردات : 462 . ( 2 ) 11 / الشورى : 42 . ( 3 ) 74 / النحل : 16 . ( 4 ) تتمة الآية السابقة . ( 5 ) 75 / النحل : 16 . ( 6 ) 60 / النحل : 16 .