أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

377

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

وميقاته « 1 » ، أي حين اتفق إهلاله . وقد وفّق هذا لكذا ، أي أرشد إليه . وف ي : قوله تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ « 2 » . يقال : وفى ووفّى وأوفى . وقد جاءت الثلاث لغات في الكتاب العزيز ؛ فمن الأول قوله تعالى : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ « 3 » وجه الدلالة أنّ أفعل إنما يطّرد من الثلاثي . ولنا فيه كلام . ومن الثاني : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى « 4 » . ومن الثالث ما تلوناه أولا . والتّوفية : التّتميم . ومنه قوله تعالى : أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ « 5 » وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ « 6 » . وقوله تعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى توفيته أنّه بذل المجهود في طاعة المعبود في جميع ما طولب به ، كما أشار إليه تعالى بقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الآية « 7 » . فبذل ماله في الأنفاق في قرى الضّيفان ، وبذل ما هو أعزّ من نفسه وهو ولده حيث امتثل أمر ربّه عزّ وجلّ على هيئة لا يطيقها البشر البتّة من ذبحه له بيده . وأيّ شيء أعظم من هذه التّوفية ؟ ومنه في المعنى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ « 8 » وقد قيل في هذه الآية معنى آخر ؛ وهو أنّ إبراهيم التزم ألّا يسأل غير ربّه . فلما رفع في المنجنيق ليرمى في النار اعترضه جبريل عليه السّلام وقال له : ألك حاجة ؟ فقال : أمّا إليك فلا . فهذا توفيته . وأنشدني بعضهم في هذا المعنى بحرم الخليل عليه السّلام ، والشعر للوأواء الدّمشقيّ من قصيدته المشهورة « 9 » : [ من البسيط ] قالت لطيف خيال زارني ومضى : * باللّه صفه ولا تنقص ولا تزد

--> ( 1 ) الجملة مضطربة الرسم ضبطناها من اللسان . ويقال : لوفق الهلال وميفاقه وتوفيقه وتيفاقه وتوفاقه ، أي لطلوعه ووقته . ( 2 ) 40 / البقرة : 2 . ( 3 ) 111 / التوبة : 9 . ( 4 ) 37 / النجم : 53 . ( 5 ) 59 / يوسف : 12 . ( 6 ) 35 / الإسراء : 17 . ( 7 ) 111 / التوبة : 9 . ( 8 ) 124 / البقرة : 2 . ( 9 ) ديوان الوأواء : 266 .