أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

339

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

أو لثبوته في مكانه ، فتصوّر منه معنى المودّة والملازمة ، يعني فتكون الدالان أصليتين من هذه المادّة . ود ع : قوله تعالى : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى « 1 » أي ما تركك وما خلّاك ، من توديع المسافر . قيل : والتّوديع أصله من الدّعة ، وهي خفض العيش ورفاهيته ، وذلك أنه يدعو للمسافر أن يتحمّل اللّه عنه كآبة السفر ، وأن يبلغه الدّعة . كما أنّ التسليم دعاء له بالسلامة ، ثم صار ذلك متعارفا في تشييع المسافر وتركه . وودّعت فلانا ، أي خلّيته . ويعبّر بالوداع عن الموت . وعليه حمل قول الشاعر « 2 » : [ من الكامل ] ودّعت نفسي ساعة التّوديع وعن ابن عباس في قوله : ما وَدَّعَكَ أي ما قطعك مذ أرسلك . قال : وسمّي الوداع وداعا لأنه فراق ومتاركة . وفي الحديث : « غير مودّع ربّي ولا مكفور » « 3 » . وقرىء : « ما ودعك » « 4 » مخفف الدال ، وهو من التّرك أيضا . ولا يستعمل منه - في المشهور - ماض ولا اسم فاعل بل الأمر والمضارع ، نحو : دع هذا ، وتدعه . وقد جاء الماضي كهذه القراءة . وأنشدوا « 5 » : [ من الرمل ] سل أميري ما الّذي غيّره * عن وصالي اليوم حتّى ودعه ؟ وقال آخر « 6 » : [ من الرمل ] ليت شعري عن خليلي « 7 » ما الذي * غاله في الحبّ حتّى ودعه ؟

--> ( 1 ) 3 / الضحى : 93 . يريد : « ما قلاك » فألقيت الكاف . ( 2 ) الشطر في المفردات : 517 . ( 3 ) النهاية : 5 / 168 . ( 4 ) ذكر ابن خالويه أن قراءة التخفيف قرأها النبي ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) ( مختصر الشواذ : 175 ) . ( 5 ) أنشده ابن بري لسويد بن أبي كاهل . اللسان - مادة ودع . ( 6 ) عزاه ابن منظور إلى أنس بن زنيم الليثي مع بيت آخر ، وذكره الراغب من غير نسب . ( 7 ) ورواية اللسان : عن أميري .