أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
284
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
هَدانا لِهذا « 1 » قال « 2 » وهذه الهدايات الأربع مرتّبة ؛ فمن لم تحصل له الأولى لم تحصل له الثانية ، بل لا يصحّ تكليفه . ومن لم تحصل له الثانية لم تحصل له الثالثة والرابعة . ومن حصلت له الرابعة فقد حصل له الثلاث التي قبلها . ومن حصل له الثلاث فقد حصل له اللتان قبلها ، ثم لا تنعكس « 3 » ؛ وقد تحصل الأولى ولا يحصل الثاني ، ويحصل الثاني ولا يحصل الثالث . والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلا بالدّعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات . وإلى الأولى أشار بقوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وإلى سائر الهدايات أشار بقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ قال : وكلّ هداية ذكر اللّه تعالى أنّه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة التي هي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون . والرابعة التي هي الثواب في الآخرة وإدخال الجنّة كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ إلى قوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ « 4 » . قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى « 5 » أي أنّ اللّه تعالى هو الذي يهدي خلقه إلى الحقّ ، فهو أحقّ بالاتباع ممّن لا يهدي أن يهتدي بنفسه . يقال : هدى بنفسه يهدي - مخفّفا - بمعنى اهتدى يهتدي ، نحو شرى يشري بمعنى اشترى يشتري . إلا أن « يهدي » إلى طريق يسلكها أو عمل يرشده إليه . وهذا استفهام توبيخ لهم على ما اتّخذوه من دون اللّه إلها يعبد ، وإن كان من أشرف الناس وخيرهم كالمسيح وعزير والملائكة . يعني أنّ اللّه وحده هو الذي يهدي كلّ أحد ، وغيرهم لا يهدي غيره إلا أن يهديه اللّه . وقيل : معنى : لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ « 6 » ، أي لا يصلح . فاستعار الهداية
--> ( 1 ) 43 / الأعراف : 7 . ( 2 ) يريد الراغب . ( 3 ) وفي مطبوعة المفردات ، من غير « لا » . ( 4 ) 86 / آل عمران : 3 . ( 5 ) 35 / يونس : 10 . ( 6 ) 52 / يوسف : 12 .