أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

185

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

قوله تعالى : عُذْراً أَوْ نُذْراً « 1 » أي للإعذار أو للإنذار . فهو اسم مصدر ، ثم يجوز أن يكون أصلا بنفسه ، وأن يكون مخفّفا بضمتين . قوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ « 2 » يجوز في « ما » أن تكون نافية ، وهو الظاهر ؛ أي لم يشاهد آباؤهم نبيا . واستدلّ عليه بقوله : وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ « 3 » . قال الهرويّ : وفيه نظر ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي لتنذر قوما بمثل ما أنذر آباؤهم . فيكون آباؤهم منذرين أيضا . ويجوز أن تكون بمعنى الذي . قوله تعالى : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ « 4 » النّذر : ما يلتزمه الإنسان من صدقة أو فعل عبادة . ومنه قوله تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً « 5 » . وقال ابن عرفة : لو قال قائل : عليّ أن أتصدّق بدينار ، لم يكن ناذرا ، ولو قال : عليّ إن شفى اللّه مريضي ، أو ردّ غائبي صدقة دينار ، كان ناذرا . فالنّذر : ما كان وعدا على شرطه ، فكلّ ناذر واعد . وليس كلّ واعد ناذرا . وهذا إن كان من حيث اللغة فليس كذلك ، إذ النّذر التزام ، وإن كان شرعا فكذلك . وإنّما هو قسمان : نذر لجاج ونذر تبرّر ، سواء وجدت فيه أداة شرط أم لا . قال الراغب : النّذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر . يقال : نذرت لله نذرا . وفي الحديث : « أنّ عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف نذر الموضحة » « 6 » . النّذر : أرش الجراحة بلغة الحجاز « 7 » . ويقال : نذر ينذر وينذر ، بكسر عين المضارع وضمّها . ولا منافاة بين قوله تعالى : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وبين قوله عليه الصلاة والسّلام « 8 » : « النّذر لا يأتي بخير »

--> ( 1 ) 6 / المرسلات : 77 . ( 2 ) 6 / يس : 36 . ( 3 ) 44 / سبأ : 34 . ( 4 ) 7 / الإنسان : 76 . ( 5 ) 26 / مريم : 19 . ( 6 ) النهاية : 5 / 39 ، والحديث لابن المسيّب . والمعنى : بنصف ما يجب فيها من الأرش والقيمة . وأهل الحجاز يسمون الأرش نذرا ، وأهل العراق يسمونه أرشا . ( 7 ) قال أبو نهشل : النذر لا يكون إلا في الجراح صغارها وكبارها . والشافعي سمّى في كتاب جراح العمد ما يجب في الجراحات من الديات نذرا ، قال : ولغة أهل الحجاز كذلك ( اللسان - مادة نذر ) . ( 8 ) النهاية : 5 / 39 .