أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
135
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
فما برحت أقدامنا في مكاننا * بليلتنا حتى أديروا المنائيا ومنه التمنّي - أيضا - لأنه تقدير شيء في النفس وتصويره فيها . وذلك قد يكون عن ظنّ وتخمين . وقد يكون عن رويّة وبناء على الأصل . لكن لمّا كان أكثره عن تخمين صار المكذب له أملك ، فلا جرم كان غالب التمنّي كذبا وتصوّر ما لا حقيقة له . وعليه قوله تعالى : أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى « 1 » . ولذلك وقع في المستحيلات عكس الترجّي فلا يقع إلا في الممكن ، يقال : ليت شبابي يعود ، وقال الشاعر « 2 » : [ من الكامل ] ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى * والشيب كان هو البديء الأول وقال عروة للحجاج « يا بن المتمنيّة » يشير إلى أنّ أمّه هي القائلة « 3 » : [ من البسيط ] هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم من سبيل إلى نصر بن حجاج ؟ وكان نصر جميلا وسيما تفتتن به النساء ، فلما سمع عمر شعرها نفاه إلى البصرة . واسم هذه المرأة فريعة بنت همّام ، وكانت قبل ذلك تحت المغيرة . والأمنية : الصورة الحاصلة في النّفس من تمنّي الشيء ، وجمعها / أمانيّ ، وعليه قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ « 4 » أي تمنيا على اللّه كقولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً « 5 » نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ « 6 » لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً « 7 » . قال مجاهد : إلا كذبا ، وقال غيره : إلا تلاوة بلا معرفة معنى تجري عند صاحبها مجرى أمنيّة مبنية على التّخمين . قيل : ولمّا كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له ، وإبرازه باللفظ فقط ، صار
--> ( 1 ) 24 / النجم : 53 . ( 2 ) البيت من شواهد الفراء ( معاني القرآن : 1 / 410 و 2 / 352 ) . ( 3 ) عروة هو عروة بن الزبير قال للحجاج : إن شئت أخبرتك من لا أمّ له ، يا بن المتمنّية . وخاطبه كذلك عبد الملك ، وأراد بالمتمنّية أم الحجاج التي اسمها الفريعة . وورد البيت في النهاية : 4 / 67 مع الخبر . ونصر من بني سليم . ( 4 ) 78 / البقرة : 2 . ( 5 ) 80 / البقرة : 2 . ( 6 ) 18 / المائدة : 5 . ( 7 ) 94 / البقرة : 2 .