أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
74
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
ناحيته كما تقدّم . وفي حديث : « فاستعرضهم الخوارج » « 1 » أي قتلوهم من أيّ وجه أمكنوهم . ع ر ف : قوله تعالى : الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ « 2 » أي طيّبها ، من العرف وهو الطيب . وتقول العرب : طيّب اللّه عرفك ، أي رائحتك . وقيل عرّفها لهم في الدنيا بوصف وصفها لهم ، فإذا دخلوها عرفوها بتلك الأوصاف الحسنة بمعنى : ألهم كلّ أحد أن يعرف منزله في الجنة كما يعرف منزله في الدنيا مع اتساع تلك المنازل وكثرتها . وإذا ألهم الطيور أن تهتدي لأوكارها في الدنيا مع كثرة أوكارها وأشباهها وتقاصر فهمها ، فهذا أولى . فقيل : إنه يبعث مع كلّ رجل ملك يعرّفه منزله . وقيل : عرّفها : زيّنها . وقيل : شوّقهم إليها بوصفه لها وتعريفه إياها . قوله تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ « 3 » أي ليظهرنّ لك المنافق من غيره من فحوى خطابه . والمعرفة والعرفان : إدراك الشيء بتفكّر وتدبّر لأثره ، فهو أخصّ من العلم ويضادّه الإنكار . ويقال : فلان يعرف اللّه ، ولا يقال : يعلم اللّه ، متعديا إلى واحد « 4 » ، لمّا كان معرفة البشر لله هي تدبّر آثاره دون إدراك ذاته . ويقال : اللّه يعلم كذا ولا يقال : يعرف ، لمّا كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصّل إليه بتفكّر ؛ قاله الراغب . قلت : وقد فرّق قوم بين العلم والعرفان بغير ذلك ؛ فقال بعضهم : المعرفة : إدراك الشيء دون ما هو عليه . ومن ثم تعدّت لواحد . والعلم معرفته وما هو عليه . ومن ثمّ تعدّى لاثنين ، فمن ثمّ يقال : علم اللّه ، دون عرف . وقال آخرون : المعرفة تستدعي جهلا بالشيء المعروف بخلاف العلم فإنه لا يستدعي ذلك ، ولذلك علم اللّه دون عرف اللّه . وقد وقع في عبارة بعض العلماء عرف اللّه ، منهم الزمخشريّ في كشّافه . ثم إنهم يقولون : علم يتعدّى لمفعول واحد إذا كانت بمعنى عرف ، ويجعلون من ذلك لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ
--> ( 1 ) النهاية : 3 / 215 . ( 2 ) 6 / محمد : 47 . ( 3 ) 30 / محمد : 47 . ( 4 ) يعني : إلى مفعول واحد .