أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

28

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

الثالث : ما يكون عبدا بخدمته وعبادته واشتغاله بمولاه . وإليه أشار بقوله : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ « 1 » سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ « 2 » فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا « 3 » وهذه هي إضافة التشريف . ومنه قول الشاعر : [ من السريع ] لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي الرابع : ما هو عبد للدنيا وأعراضها الفانية ، وهو الحريص عليها المتهالك على حبّها كقوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ « 4 » وإياه قصد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة » « 5 » . قال الراغب « 6 » : وعلى هذا النوع يصحّ أن يقال : ليس كلّ إنسان عبدا للّه تعالى ؛ فإنّ العبد على هذا المعنى العابد ، لكن العبد أبلغ من العابد . قلت : فيما قاله نظر من حيث الصناعة اللفظية ، والناس كلّهم عباد اللّه تعالى ، بل الأشياء كلّها كذلك ؛ بعضها بالتسخير فقط وبعضها به وبالاختيار . والعبادة على نوعين : نوع بالتّسخير ، وهو الذي يكون عابدا بشهادة حاله وإن تأبّى في الصورة كقوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً « 7 » . ونوع بالاختيار وهي العبادة التي أمر اللّه بها الخلق وكلّفهم بها في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ « 8 » . قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 9 » أي ليوحّدون ، ولم أخلقهم

--> ( 1 ) 41 / ص : 38 . ( 2 ) 1 / الإسراء : 17 . ( 3 ) 65 / الكهف : 18 . ( 4 ) 96 / البقرة : 2 . ( 5 ) صحيح البخاري ، الجهاد : 70 . ( 6 ) المفردات : 319 . ( 7 ) 15 / الرعد : 13 . ( 8 ) 21 / البقرة : 2 . ( 9 ) 56 / الذاريات : 51 .