أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

24

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

تقنّعت بأحدهما وأعطتهم الآخر ، فيا لها من منقبة فاز بها آل أبي بكر وأولاد الزّبير . وقد قالها الخبيث الحجاج لما صلب فلذة كبدها قال : يا بن ذات النطاقين . فقال : لو عرفتم ما شأن ذات النطاقين ! فمن ثمّ قال عبد اللّه لأهل الشام ما قال ، وأوقع إنشاده هذا العجز من البليغ . قوله تعالى : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً « 1 » الظاهر أنه أراد بظهورها رؤية المسافرين إياها ونزولهم بها ذهابا وإيابا . وقيل : هو مثل لأحوال « 2 » من تقدّمهم من أهل القرى . وهذا تذكير لأهل مكة ؛ فإنهم كانوا يمرّون في سيرهم إلى الشام بقرى ثمود ولوط ، فنبّههم على الاعتبار بها كما نبّه أهل سبأ على ذلك . قوله : فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً « 3 » أي لا يطلع . قوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ « 4 » يجوز أن يكون من الغلبة والمعاونة ، أي ليعليه على الدّين كلّه ويغلّبه أيضا ، وأن يكون من البروز وعدم الخفاء . قوله تعالى : وَحِينَ تُظْهِرُونَ « 5 » أي تدخلون في الظهيرة ؛ وهي وسط النهار وشدة الحرّ . وقيل : تصلون الظهر . ويقال : أظهر وأصبح وأمسى : دخل في هذه الأوقات . وقد جمعت الآية الكريمة بين ذلك كلّه في قوله تعالى : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ « 6 » وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا الآية « 7 » . قوله : الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ « 8 » قيل : الظّهر هنا استعارة . والوزر المشار إليه « 9 » : العبء الذي حصل له من تحمّل النبوّة ، لا الذّنوب حاشا لله . وذلك أنّ أمر النّبوة ثقيل جدا يعجز عنه البشر من حيث هو بشر لولا التأييد الإلهيّ والفيض الربّانيّ حتى أطاقها الأنبياء

--> ( 1 ) 18 / سبأ : 34 . ( 2 ) وفي ح : الأحوال . ( 3 ) 26 / الجن : 72 . ( 4 ) 33 / التوبة : 9 . ( 5 ) 18 / الروم : 30 . ( 6 ) 17 / الروم : 30 . ( 7 ) 18 / الروم : 30 . ( 8 ) 3 / الشرح : 94 . ( 9 ) في الآية : 2 / الشرح : 94 .