أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
46
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
حديث عليّ رضي اللّه عنه : « ذكاة الأرض يبسها » « 1 » يعني إذا أصابتها نجاسة فجفّت طهرت . وقيل : هي إخراج الحرارة الغريزية وذلك أنّ مادة ذ ك وتدلّ على الحرارة . وأصلها من قولهم : ذكت النار تذكو أي اتّقدت . وذكّيتها أنا أوقدتها تذكية . ومنه قيل للشمس ذكاء لحرارتها . قال « 2 » : [ من الكامل ] ألقت ذكاء يمينها في كافر وابن ذكاء : الصّبح ، قال « 3 » : [ من الرجز ] وابن ذكاء كامن في ستر وذلك أنّهم يتصوّرون الصبح ابنا لها ، وتارة حاجبا لها « 4 » . وعبّر عن حدّة الفهم وسرعته بالذّكاء من قولهم : فلان شعلة نار ، وذهنه يتوقّد . فحقيقة تذكية الحيوان : إخراج الحرارة الغريزية . ويدلّ على هذا الاشتقاق قولهم في الميت : خامد وهامد ، وفي النار الهامدة : ميتة . وذكّى الرجل : أسنّ وحظي بالذكاء لكثرة رياضته وتجاربه . وبحسب هذا الاشتقاق لا يسمّى الشيخ مذكّيا إلّا إذا كان ذا تجارب ورياضات . ولمّا كانت التجارب والرياضات قلّما تستعمل إلا في الشيوخ لطول عمرهم استعمل الذكاء فيهم ، واستعمل في العتاق من الخيل المسانّ . وعلى هذا جرى قولهم : جري المذكّيات غلاب « 5 » .
--> ( 1 ) النهاية : 2 / 164 ، وفيه أن الحديث لمحمد بن علي . ( 2 ) عجز لثعلبة بن صعير المازنيّ يصف ظليما ونعامة ، وصدره كما في اللسان - مادة ذكا : فتذكّرا ثقلا رثيدا ، بعدما ( 3 ) من شواهد اللسان في مادة ذكا ، وفيه ( في كفر ) . وصدره : فوردت قبل انبلاج الفجر ( 4 ) فقيل : حاجب الشمس . ( 5 ) جاء في هامش ح : « الذكاء في الأصل : التوقد والمراد في العرف والمعنى المجازي ، وهو سرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب . ابن كمال » . وهو من غير خط الناسخ .