أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

366

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

قوله عزّ وجلّ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ « 1 » أي أمر صبر . والأصل النصب على المصدر ونيابة عن الفعل ، إلا أنّ الرفع أبلغ لما قرّرناه في : « قالوا سلاما قال سلام » « 2 » . ولذلك أتى الشاعر بهذا الأصل على النصب في قوله : [ من الرجز ] يشكو إليّ جملي طول السّرى * صبرا جميلا فكلانا مبتلى ومعنى الآية : الحثّ على الصبر . والصبور : القادر على الصبر الذي له فيه ملكة . والصابر يقال إذا كان فيه ضرب من التكلّف والمجاهدة ؛ قاله الراغب « 3 » وفيه نظر من حيث إنّ فعولا وفعالا مبالغة . وفعل لا يدلّ على التكلّف « 4 » ، بل يدلّ عليه تفعّل ، ويدلّ عليه قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ « 5 » . وقد يعبّر عن الانتظار بالصّبر لمّا كان حقّ الانتظار لا ينفكّ عن الصبر ، بل هو نوع من الصبر ؛ وعليه قوله تعالى : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ « 6 » أي انتظر حكمه لك على الكفار الذين عاندوك . وقال المبرّد : الصبر ثلاثة أنواع : حبس ، وإكراه ، وجرأة . وحكي من كلامهم : أصبره الحاكم على اليمين ، أي ألجأه إليها . وفي الحديث : « اقتلوا القاتل واصبروا الصابر » « 7 » ؛ وذلك أنّ رجلين قتلا رجلا ؛ أمسكه أحدهما وقتله الآخر ، أي احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت كفعله به . كذا فسّره الهرويّ « 8 » . والحكم عندنا ليس كذلك . وقيل : الصّبر أن يحبس ، أي يوقف وهو ينظر لنفسه فيقتل ، وهو أشدّ القتلات . ولذلك نهى / 191 عن القتل صبرا ، أي تؤخذ / ذاته فيرمى عرضا . وقد قتل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعض الكفار صبرا لمصلحة ، ومنهم النّضر القاتل أخيه قتيلة في شعر صبرا : [ من الوافر ]

--> ( 1 ) 18 / يوسف : 12 ، وغيرها . ( 2 ) 69 / هود : 11 . ( 3 ) المفردات : 274 . ( 4 ) وفي س : التكليف . ( 5 ) 5 / إبراهيم : 14 ، وغيرها . ( 6 ) 48 / الطور : 52 ، وغيرها . ( 7 ) النهاية : 3 / 8 . ( 8 ) وكذا قال ابن الأثير .