أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

315

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

قوله : عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ « 1 » هو المسجد المعروف ، سمّي بذلك لأنّه من علامات الحجّ ، ومواضع الحجّ كلّها « 2 » [ مشعر ] . إلا أنّ هذا الاسم غلب على هذا المكان بخصوصه . وأصل هذه المادّة من شعر الإنسان . وبيانه أن تقول : شعرت زيدا ، أي أصبت شعره . قالوا : ثم استعير : شعرت كذا ، أي علمت علما في الدقّة كإصابة الشّعر . وسمي الشاعر شاعرا لفطنته ودقّة معرفته . فالشّعر في الأصل : اسم للعلم الدقيق في قولهم : ليت شعري . وصار في التّعارف اسما « 3 » للموزون المقفّى من الكلام ، والشاعر للمختصّ بصناعته . وقوله تعالى - حكاية عن الكفّار - : بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ « 4 » حمل كثير من المفسرين على أنّهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم ومقفّى حتى تأوّلوا ما جاء في القرآن من كلّ لفظ يشبه الموزون نحو : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ « 5 » وقال بعض المحصّلين : لم يقصدوا هذا القصد فيما رموه به ، وذلك أنّه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس على أساليب الشّعر . ولا يخفى ذلك على الأغتام « 6 » من العجم فضلا عن بلغاء العرب . وإنما رموه بالكذب ، فإنّ الشعر يعبّر به عن الكذب ، والشاعر الكاذب حتى سمّوا الأدلة الكاذبة الشعريّة . قال تعالى في وصف عامّة الشعراء : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ « 7 » الآية ولأنّ الشعر مقرّ الكذب . قالوا : أحسن الشعر أكذبه . وقال بعض الحكماء : لم ير متديّن صادق اللهجة مفلقا في شعره . قلت : ولهذا إنّ شعراء مفلقين كانوا في جاهليّتهم لا يبارون ، فلما أسلموا ضعف شعرهم كحسان ولبيد وغيرهما . وقد وطّنه « 8 » حسان من نفسه لذلك . والمشاعر : الحواسّ ؛ فقوله : وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ « 9 » ونحوه ، أي لا تدركونه بالحواسّ . ولو قال في كثير من

--> ( 1 ) 198 / البقرة : 2 . ( 2 ) سمي بذلك لأنه معلم للعبادة وموضع ( اللسان - مادة شعر ) ، والإضافة للسياق . ( 3 ) وفي الأصل : اسم . ( 4 ) 5 / الأنبياء : 21 . ( 5 ) 13 / سبأ : 34 . ( 6 ) الأغتم والغتمي : من لا يفصح في كلامه ، جمعها أغتام . ( 7 ) 224 / الشعراء : 26 . ( 8 ) وفي س : فطنة . ( 9 ) 50 / الزمر : 39 .