أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

18

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

وبهذا النحو : سمّي الوسيلة المائح . قال الشاعر « 1 » : [ من الطويل ] ولي مائح قد يورد الناس قبله * معلّ وأشطان الطّويّ كثير والدّلو العظيمة يقال لها : ذنوب إذا كانت ملأى ويقال لها : غرب أيضا ، ويعبّر بها عن النّصيب كقوله تعالى : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً « 2 » . ويجمع على أدل في القلّة ودليّ في الكثرة والأصل : أدلو ودلوّ ؛ فأعلّ كما ترى . ويجوز في دال دليّ الضمّ والكسر نحو عصّي . قوله : فَدَلَّاهُما « 3 » أي أهبطهما من السّماء إلى الأرض وأطمعهما . قال الأزهريّ : أصله أن يتدلّى الرجل في البئر ليروى من عطشه فلا يجد فيها ماء ، فهذا تدلّيه بغرور أي بخديعة ، ثم جعل هذا مثلا في الدّنوّ من كلّ شيء لا يجدي نفعا . وقيل : قرّبهما من المعصية بغرور إيّاهما . وقيل : الأصل فدلّلهما ، من الدّالّ « 4 » والدّالّة : وهو الجرأة من تدلّل المرأة كما تقدّم قاله الهروي . قلت : فأبدلت اللام الأخيرة حرف علّة لتوالي الأمثال نحو : تطيّبت ودسّاها كما مرّ . قوله : فَتَدَلَّى « 5 » أي قرب . والتّدلّي والدّنّو متقاربان إلا أنّ التّدلّي من علوّ إلى سفل ، والدّنوّ أعمّ . فمن جمع بينهما في قوله : دَنا فَتَدَلَّى فالمراد جبريل . قوله : وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ « 6 » أي تقطعوها ، وعبّر عنها بالإدلاء تشبها بإرسال الدّلو . وحذف النون يجوز أن يكون لكونه مجزوما عطف على النّهي ، أي ولا تدلوا . أو منصوبا بعد واو مع جوابه أي لا تجمعوا بين هذا وهذا ، وقد حقّقناه في غير هذا . والمعنى لا تعطوا الحكام الرشوة ليغيّروا حكم اللّه فإنّ حكمهم لا يحرّم حلالا ولا يحلّل حراما . وقال عمر في استسقائه : « وقد دلونا به » « 7 » أي بالعباس ، أي توسّلنا وهتفنا ، وهو من الدّلو « 8 » . وفي

--> ( 1 ) من شواهد الراغب في المفردات : 171 ، ومقاييس اللغة : 4 / 119 ( وفيه : يورد الماء ) ومذكور في الحيوان : 4 / 391 ومجالس ثعلب : 592 . وهو للشاعر العجير . ( 2 ) 59 / الذاريات : 51 . ( 3 ) 22 / الأعراف : 7 . ( 4 ) في الأصل : الدلال ، والتصويب من اللسان . ( 5 ) 8 / النجم : 53 . ( 6 ) 188 / البقرة : 2 . ( 7 ) من حديث الاستسقاء ، النهاية : 2 / 132 . ( 8 ) الدلو هنا : السّوق الخفيف .