علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
67
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
بمعنى مع يعني ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني على من يصطفيه من عباده للنبوة ، والرسالة وتبليغ الوحي إلى الخلق أَنْ أَنْذِرُوا يعني بأن اعلموا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ أي فخافون . وقيل : معناه مروا بقول لا إله إلا اللّه منذرين يعني مخوفين بالقرآن . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 3 إلى 12 ] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 ) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 12 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تقدم تفسيره خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يعني أنه جدل بالباطل بين الخصومة نزلت في أبيّ بن خلف الجمحي ، وكان ينكر البعث فجاء بعظم رميم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : تزعم أن اللّه يحيي هذا بعد ما رم فنزلت فيه هذه الآية ، ونزل فيه أيضا قوله تعالى « قال من يحيي العظام وهي رميم » والصحيح أن الآية عامة في كل ما يقع من الخصومة في الدنيا ويوم القيامة ، وحملها على العموم أولى ، وفيها بيان القدرة وأن اللّه خلق الإنسان من نطفة قذرة فصار جبارا كثيرا لخصومة ، وفيه كشف قبيح ما فعله الكفار من جحدهم نعم اللّه تعالى مع ظهورها عليهم . قوله عز وجل وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لما ذكر اللّه سبحانه وتعالى أنه خلق السماوات والأرض ، ثم أتبعه بذكر خلق الإنسان ، ذكر بعده ما ينتفع به في سائر ضروراته . ولما كان أعظم ضرورات الإنسان إلى الأكل واللباس اللذين يقوم بهما بدن الإنسان بدأ بذكر الحيوان المنتفع به في ذلك ، وهو الأنعام . فقال تعالى وَالْأَنْعامَ خَلَقَها وهي الإبل والبقر والغنم . قال الواحدي : تم الكلام عند قوله والأنعام خلقها . ثم ابتدأ فقال تعالى لَكُمْ فِيها دِفْءٌ قال : ويجوز أيضا أن يكون تمام الكلام عند قوله لكم ثم ابتدأ فقال تعالى : فيها دفء . قال صاحب النظم أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله خلقها ثم يبتدأ بقوله لكم فيها دفء ، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله ، ولكم فيها جمال والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال . ولما كانت منافع هذه الأنعام منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية ، بدأ اللّه سبحانه وتعالى بذكر المنافع الضرورية ، فقال تعالى : لكم فيها دفء وهو ما يستدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها ، المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار الحاصلة من النعم وَمَنافِعُ يعني النسل والدر والركوب ، والحمل عليها وسائر ما ينتفع به من الأنعام وَمِنْها تَأْكُلُونَ يعني من لحومها . فإن قلت : قوله تعالى وَمِنْها تَأْكُلُونَ يفيد الحصر لأن تقديم الظرف مؤذن بالاختصاص ، وقد يؤكل من غيرها . قلت : الأكل من هذه الأنعام هو الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط والإوز وصيد البر والبحر ، فغير معتد به في الأغلب : وأكله يجري مجرى التفكه به فخرج ومنها تأكلون مخرج الأغلب في الأكل من هذه الأنعام . فإن قلت : منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللباس فلم أخر منفعة الأكل وقدم منفعة اللباس ؟ قلت : منفعة اللباس أكثر وأعظم من منفعة