علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

38

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني يقيموا الصلاة الواجبة ، وإقامتها إتمام أركانها وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ قيل أراد بهذا الإنفاق إخراج الزكاة الواجبة ، وقيل : أراد به جميع الإنفاق في جميع وجوه الخير والبر وحمله على العموم أولى ليدخل فيه إخراج الزكاة ، والإنفاق في جميع وجوه البر سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني ينفقون أموالهم في حال السر وحال العلانية ، وقيل : أراد بالسر صدقة التطوع وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ قال أبو عبيدة : البيع هنا الفداء يعني لا فداء في ذلك اليوم وَلا خِلالٌ يعني ولا خلة ، وهي المودة والصداقة التي تكون مخاللة بين اثنين . وقال مقاتل : إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخاللة ولا قرابة ، إنما هي الأعمال إما أن يثاب بها أو يعاقب عليها . فإن قلت : كيف نفى الخلة في هذه الآية ، وفي الآية التي في سورة البقرة وأثبتها في قوله « الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين » ؟ قلت : الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفي الخلة الحاصلة ، بسبب ميل الطبيعة ، ورعونة النفس ، والآية الدالة على حصول الخلة وثباتها محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة اللّه ألا تراه أثبتها للمتقين فقط ، ونفاها عن غيرهم . وقيل : إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة ، ففي بعضها يشتغل كل خليله عن خليله وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض . إذا كانت تلك المخالة للّه في محبته . قوله عز وجل : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 32 إلى 37 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ( 32 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ( 33 ) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ اعلم أنه تقدم تفسير هذه الآية في مواضع كثيرة ، ونذكر هاهنا بعض فوائد هذه الآية الدالة على وجود الصانع المختار القادر الذي لا يعجزه شيء أراده ، فقوله تعالى : اللّه خلق السماوات والأرض ، إنما بدأ بذكر خلق السماوات والأرض ، لأنها أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع الخالق القادر المختار وأنزل من السماء ماء يعني من السحاب سمي السحاب سماء لارتفاعه مشتق من السمو ، وهو الارتفاع وقيل إن المطر ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض فأخرج به أي بذلك الماء من الثمرات رزقا لكم ، والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر . وقد يقع على الزرع أيضا بدليل قوله : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده وقوله : من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به رزقا هو الثمرات وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ لما ذكر اللّه سبحانه وتعالى إنعامه بإنزال المطر ، وإخراج الثمر لأجل الرزق والانتفاع به ذكر نعمته على عباده بتسخير السفن الجارية على الماء ، لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات ، وغيرها من بلد إلى بلد آخر . فهي من تمام نعمة اللّه على عباده وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ يعني ذللها لكم تجرونها حيث شئتم ، ولما كان ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع والثمرات ولا في الشراب أيضا ذكر نعمته على عباده في تسخير الأنهار ، وتفجير العيون لأجل هذه الحاجة ، فهو من أعظم نعم اللّه على عباده وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ الدأب العادة