علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
238
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
لترحمني كلمة زلت مني فلن أعود ، وقد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت بالتراب خدي ، أعوذ بك اليوم منك وأستجير بك من جهد البلاء ، فأجرني وأستغيث بك من عقابك فأغثني ، وأستعينك عن أمري فأعني ، وأتوكل عليك فاكفني ، وأعتصم بك فاعصمني وأستغفرك فاغفر لي فلن أعود لشيء تكرهه مني . قال اللّه تعالى : يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي ، فقد غفرت لك ، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية وتكون عبرة لأهل البلاء وعزا للصابرين ، فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، فمنه تناول وقرب عن أصحابك قربانا واستغفر لهم ، فإنهم قد عصوني فيك . روي عن أنس يرفعه أن أيوب لبث ببلائه ثماني عشرة سنة ، وقال وهب : ثلاث سنين لم يزد يوما ، وقال كعب : سبع سنين ، وقال الحسن : مكث أيوب مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا يختلف فيه الدود ، لا يقربه أحد غير رحمة صبرت معه بصدق ، وكانت تأتيه بالطعام ، وتحمد اللّه معه إذا حمد ، وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ذكر اللّه تعالى والصبر على بلائه ، فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض ، فلما اجتمعوا إليه قالوا : ما أحزنك ؟ قال : أعياني هذا العبد الذي لم أدع له مالا ولا ولدا ولم يزدد إلا صبرا ، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة لا تقربه إلا امرأته ، فاستعنت بكم لتعينوني عليه ، فقالوا له : فأين مكرك الذي أهلكت به من مضى ؟ قال : بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا عليّ قالوا : من أين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة ؟ قال : من قبل امرأته . قالوا فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس يقربه أحد غيرها . قال : أصبتم فانطلق إبليس حتى أتى رحمة امرأة أيوب وهي تصدق فتمثل لها في صورة رجل وقال لها : أين بعلك يا أمة اللّه ؟ قالت هو ذاك يحك قروحه ويتردد الديدان في جسده . فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع ، فوسوس إليها وذكرها ما كانت فيه من النعم والمال ، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر ، وأن ذلك لا ينقطع عنه أبدا ، فصرخت فعلم أنها قد جزعت فأتاها بسخلة وقال : ليذبح لي هذه أيوب ويبرأ فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال أين الولد أين الصديق أين لونك الحسن أين جسمك الحسن ؟ اذبح هذه السخلة واسترح . قال أيوب : أتاك عدو اللّه فنفخ فيك ؟ ويلك أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والصحة من أعطانيه ؟ قالت اللّه قال كم متعنا به قالت ثمانين سنة . قال فمنذ كم ابتلانا قالت منذ سبع سنين وأشهر قال ويلك ما أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة ، واللّه لئن شفاني اللّه لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير اللّه . طعامك وشرابك الذي تأتيني به علي حرام أن أذوق منه شيئا اعزبي عني فلا أراك ، فطردها ، فذهبت . فلما نظر أيوب وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا للّه وقارب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فقيل له ارفع رأسك فقد استجبت لك اركض برجلك ، فركض برجله فنبعت عين ماء ، فاغتسل منها فلم يبق عليه من درنه ودائه شيء ظاهر إلا سقط ، وعاد شبابه وجماله أحسن ما كان ، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها ، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج ، فقام صحيحا وكسي حلة فجعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان عليه وما كان له . من أهل ومال إلا وقد ضعفه اللّه له وذكر لنا أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراد من ذهب فجعل يضمه بيده فأوحى اللّه إليه يا أيوب ألم أغنك ؟ قال بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها ؟ قال : فخرج حتى جلس على مكان مشرف . ثم إن امرأته قالت : أرأيت إن كان طردني إلى من أكله ؟ أدعه يموت جوعا ؟ ويضيع فتأكله السباع ؟ لأرجعن إليه . فرجعت إليه فلا الكناسة رأت ، ولا تلك الحالة التي كانت تعرف ، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعيني أيوب ، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عن أيوب ، فدعاها وقال : ما تريدين يا أمة اللّه فبكت وقالت : أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على الكناسة لا أدري