علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
145
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
اثنتين ولم يجب عن واحد فهو نبي فسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان شأنهم ، فإنه كان لهم حديث عجيب ، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها ما خبره وعن الروح قال فسألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أخبركم بما سألتم غدا ، ولم يقل إن شاء اللّه فلبث الوحي . قال مجاهد : اثني عشر يوما وقيل : خمسة عشر يوما وقيل أربعين يوما وأهل مكة يقولون : قد وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء ، حتى حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ونزل في الفتية أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب ، قوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ونزل في الروح وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي واختلفوا في الذي وقع السؤال عنه ، فروي عن ابن عباس أنه جبريل وعن علي أنه ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح اللّه تعالى بكلها . وقال مجاهد : خلق على صورة بني آدم ، لهم أيد وأرجل ورؤوس ليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام . وقال سعيد بن جبير : لم يخلق اللّه خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السماوات والأرض ومن فيها بلقمة واحدة لفعل ذلك صورة خلقه على صورة الملائكة ، وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين ، يقوم يوم القيامة على يمين العرش ، وهو أقرب الخلق إلى اللّه تعالى اليوم عند الحجب السبعين وأقرب الخلق إلى اللّه يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ، ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السماوات من نوره . وقيل : الروح هو القرآن لأن اللّه سماه روحا ولأن به حياة القلوب . وقيل : هو الروح المركب في الخلق الذي به يحيى الإنسان وهو أصح الأقوال . وتكلم قوم في ماهية الروح فقال بعضهم : هو الدم ألا ترى أن الإنسان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم . وقال قوم : هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس . وقال قوم : هو عرض . وقال قوم : هو جسم لطيف يحيا به الإنسان . وقيل : الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم والعلو والبقاء ، ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات إذا خرج منه ذهب الكل . وأقاويل الحكماء والصوفية في ماهية الروح كثيرة ، وليس هذا موضع استقصائها وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى اللّه عز وجل وهو قول أهل السنة قال عبد اللّه بن بريدة : إن اللّه لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا بدليل قوله : قل الروح من أمر ربي أي من علم ربي الذي استؤثر به وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ من علم ربي إِلَّا قَلِيلًا أي في جنب علم اللّه عز وجل الخطاب عام . وقيل : هو خطاب لليهود فإنهم كانوا يقولون : أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير ، فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم اللّه . وقيل إن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة فوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه ، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته وقيل : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علم معنى الروح ولكن لم يخبر به لأن ترك الإخبار به كان علما لنبوته . والقول الأصح هو أن اللّه عز وجل استأثر بعلم الروح . قوله عز وجل وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ومعناه أنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك ، إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف ، فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت ما تدري ما الكتاب ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا معناه لا تجد بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده عليك ، وإعادته محفوظا مستورا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ معناه إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك ، وقيل هو على الاستثناء المنقطع . معناه لكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ، وهذا امتنان من اللّه تعالى ببقاء القرآن محفوظا ، فإن قلت كيف يذهب بالقرآن وهو كلام اللّه عز وجل ؟ قلت : المراد منه محو ما في المصاحف وإذهاب ما في الصدور وقال عبد اللّه بن مسعود : « اقرءوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع » قيل : هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس قال : يسرى عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ، ولا يجدون مما في المصاحف شيئا ثم يفيضون في الشعر وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال « لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل . له