علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

143

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

يخرجوا منها أعيدوا فيها ، فما هذا الذي تقولون قال : أتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم . قال : فاقرأ ما قبله إنه في الكفار ثم قال فهل سمعت بمقام محمد الذي يبعثه اللّه فيه قلت : نعم قال فإن مقام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المحمود الذي يخرج اللّه به من يخرج من النار قال ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه ، قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك . قال غيره أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها . قال : يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم قال فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه ، فيخرجون منه كأنهم القراطيس فرجعنا فقلنا ويحكم أترون هذا الشيخ يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فرجعنا فلا واللّه ما خرج غير رجل واحد أو كما قال ، والأحاديث في الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو ابن عبيد وهو مبتدع باتفاق أهل السنة . وروى أبو وائل عن ابن مسعود أنه قال : إن اللّه اتخذ إبراهيم خليلا وإن صاحبكم خليل اللّه وأكرم الخلق عليه . ثم قرأ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال يقعده على العرش . وعن مجاهد مثله وعن عبد اللّه بن سلام قال يقعد على الكرسي . قوله عز وجل : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 80 إلى 81 ] وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ المراد منهما الإدخال والإخراج قال ابن عباس : معناه أدخلني مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق من مكة نزلت حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالهجرة . وقيل : معناه أخرجني من مكة آمنا من المشركين ، وأدخلني مكة ظاهرا عليها بالفتح ، وقيل : أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق ، وأخرجني من الدنيا ، وقد قمت بما وجب علي من حق النبوة مخرج صدق وقيل : معناه أدخلني في طاعتك مدخل صدق وأخرجني من المناهي مخرج صدق وقيل : معناه أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق ، وأخرجني بالصدق ولا تجعلني ممن يخرج بوجه ويدخل بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون آمنا عند اللّه وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً أي حجة بينة وقيل : ملكا قويا تنصرني به على من عاداني وعزا ظاهرا أقيم به دينك فوعده اللّه لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما ويجعله له ، وأجاب دعاءه فقال له واللّه يعصمك من الناس ، وقال يظهره على الدين كله وقال : وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية . قوله تعالى وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ يعني الإسلام والقرآن وَزَهَقَ الْباطِلُ أي الشرك والشيطان إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً أي مضمحلا غير ثابت ، وذلك أن الباطل وإن كان له دولة وصولة في وقت من الأوقات فهو سريع الذهاب والزوال ( ق ) . عن عبد اللّه بن مسعود قال : دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا - جاء الحق ، وما يبدئ الباطل وما يعيد - قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 82 إلى 84 ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 ) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ من في قوله تعالى من القرآن لبيان الجنس . والمعنى : ننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن ما هو شفاء أي بيان من الضلالة والجهالة ، يتبين به المختلف فيه ويتضح به المشكل ، ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة وهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها . وقيل : هو شفاء للأمراض