علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

127

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

يقتضيه حسن الأدب معهما ، وقيل : هو يا أماه يا أبتاه وقيل : لا يكنيهما وقيل : هو أن يقول لهم كقول العبد الذليل المذنب للسيد الفظ الغليظ . الرابع : قوله عز وجل وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ أي ألن لهما جناحك واخفضه لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه مِنَ الرَّحْمَةِ أي من الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إليك ، كما كنت في حال الصغر مفتقرا إليهما . الخامس : قوله سبحانه وتعالى وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً أي وادع اللّه لهما أن يرحمهما برحمته الباقية ، وأراد به إذا كانا مسلمين فأما إذا كانا كافرين فإن الدعاء منسوخ في حقهما بقوله سبحانه وتعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى وقيل : يجوز الدعاء لهما بأن يهديهما اللّه إلى الإسلام فإذا هداهما فقد رحمهما . وقيل في معنى هذه الآية : إن اللّه سبحانه وتعالى بالغ في الوصية بهما حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته ، ثم شفعه بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تسوؤهما وأن يذل ، ويخضع لهما ثم ختمها بالأمر بالدعاء لهما والترحم عليهما . فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في بر الوالدين ، ( ق ) عن أبي هريرة قال : « جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه من أحق الناس بحسن صحبتي ؟ قال : أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك » ( م ) عنه قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : رغم أنفه ، رغم أنفه رغم أنفه قيل من يا رسول اللّه ؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة » ( م ) عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه » ( ق ) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال « جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستأذنه في الجهاد فقال : أحيّ والداك قال : نعم قال ففيهما فجاهد » وعنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « رضا الرب في رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين » أخرجه الترمذي مرفوعا وموقوفا قال : وهو أصح عن أبي الدرداء قال « فإن شئت فضيع ذلك الباب أو احفظه » أخرجه الترمذي . وقال حديث صحيح ( م ) « عن عبد اللّه بن مسعود قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي الأعمال أحب إلى اللّه تعالى قال الصلاة لوقتها قلت ، ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل اللّه تعالى » . قوله سبحانه وتعالى رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ أي من بر الوالدين ، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير ، عدم عقوقهما إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أي أبرارا مطيعين قاصدين الصلاح والبر بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين ، أو غيرهما أو قيل فرط منكم في حال الغضب ، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر مما يؤدي إلى أذاهما ثم أنبتم إلى اللّه ، واستغفرتم مما فرط منكم فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ للتوابين غَفُوراً قال سعيد بن جبير في هذه الآية : هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ بهما . وقال سعيد بن المسيب : الأوّاب الذي يذنب ثم يتوب وعنه أنه الرجاع إلى الخير . وقال ابن عباس : الأوّاب الرجاع إلى اللّه فيما يحزنه ، وينوبه وعنه أنهم المسبحون . وقيل : هم المصلون وقيل هم الذين يصلون صلاة الضحى يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم . قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال « صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال » أخرجه مسلم قوله : إذا رمضت الفصال يريد ارتفاع الضحى وأن تحمى الرمضاء وهو الرمل بحر الشمس فتبرك الفصال من الحر وشدة إحراقه أخفافها . والفصال جمع فصيل وهي أولاد الإبل الصغار وقيل : الأوّاب الذي يصلي بين المغرب والعشاء يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال : إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأوّابين . قوله سبحانه وتعالى :