علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
122
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
منهم دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل ، ثم لما أراد اللّه تعالى هلاك بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل : أرأيتم هذا البيت الذي خربت والناس الذي قتلت منكم ، وما هذا البيت ؟ قالوا هو بيت اللّه وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السماوات والأرض ورب الخلائق كلهم يكرمهم ويعزهم ، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم وسلط عليهم غيرهم فاستكبر وتجبر ، وظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني إسرائيل ، قال فأخبروني كيف لي أن أطلع إلى السماء العليا ، فأقتل من فيها وأتخذها لي ملكا فإني قد فرغت من أهل الأرض ، قالوا : ما يقدر عليها أحد من الخلائق قال : لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم فبكوا وتضرعوا إلى اللّه تعالى فبعث اللّه عز وجل عليه بقدرته بعوضة ، فدخلت منخره حتى عضت أم دماغه فما كان يقر ولا يسكن ، حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على أم دماغه ، ليري اللّه العباد قدرته ونجى اللّه من بقي من بني إسرائيل في يده ، وردهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه ، ويزعمون أن اللّه سبحانه وتعالى أحيا أولئك الذين قتلوا فلحقوا بهم ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها ، وليس معهم من اللّه عهد . كانت التوراة قد احترقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل ، فلما رجع إلى الشام جعل يبكي ليله ونهاره ، وخرج عن الناس فبينما هو كذلك إذ جاءه رجل فقال له : يا عزير ما يبكيك ؟ قال : أبكي على كتاب اللّه وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح ديننا وآخرتنا غيره . قال : أفتحب أن يرد إليك قال : نعم قال : ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزيز فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده ، فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه اللّه إليه فسقاه من ذلك الإناء ، فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة ، فأحبوه حبا لم يحبوا حبه شيئا قط ، ثم قبضه اللّه تعالى وجعلت بنو إسرائيل بعد ذلك يحدثون الأحداث ، ويعود اللّه عليهم ، ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث إليهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ، وكانوا من بيت آل داود فزكريا مات ، وقيل قتل وقصدوا عيسى ليقتلوه فرفعه اللّه من بين أظهرهم وقتلوا يحيى ، فلما فعلوا ذلك بعث اللّه عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش ، فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليه الشام ، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤساء جنوده يقال له بيورزاذان صاحب القتل فقال له : إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظفرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى يسيل الدم في وسط عسكري ، إلا أن لا أجد أحدا أقتله فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم ، ثم إن بيورزاذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم ، فوجد فيها دما يغلي فسألهم عنه فقال : يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي ؟ أخبروني خبره . فقالوا : هذا دم قربان لنا قرّبناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي ولقد قربنا القربان من ثمانمائة سنة ، فتقبل منا إلا هذا فقال : ما صدقتموني فقالوا لو كان كأول زماننا لتقبل منا ، ولكن قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح بيورزاذان منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا ، من رؤوسهم فلم يهدأ الدم فأمر سبعمائة غلام من غلمانهم ، فذبحهم على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ ، فلما رأى بيورزاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم : يا بني إسرائيل ويلكم اصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار من ذكر ولا أنثى إلا قتلته ، فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا : إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط اللّه تعالى فلو كنا أطعناه كنا أرشدنا . وكان يخبرنا عن أمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم بيورزاذان ما كان اسمه قالوا : يحيى بن زكريا قال : الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما علم بيورزاذان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله : أغلقوا أبواب المدينة ، وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوش ، وخلا في بني إسرائيل ثم قال : يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك ، ومن قتل منهم فاهدأ باذن