علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
106
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
لا نريد إلا اليوم الذي فرغ اللّه فيه من الخلق ، وهو يوم السبت فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضا بيوم الجمعة . فقالت النصارى لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا يعنون اليهود فاتخذوا الأحد فأعطى اللّه عز وجل الجمعة لهذه الأمة فقبلوها ، فبورك لهم فيها ( ق ) عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا فاختلفوا فيه ، وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم ، فاختلفوا فيه فهدانا اللّه له فهم لنا فيه تبع فغدا لليهود ، وبعد غد للنصارى » وفي رواية لمسلم « نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة » وفي رواية أخرى له قال « أضل اللّه عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فجاء اللّه بنا فهدانا ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون في الدنيا ، الأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق » قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم : قال العلماء في معنى الحديث : نحن الآخرون في الزمان والوجود السابقون في الفضل ودخول الجنة فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم . وقوله بيد أنهم يعني غير أنهم أو إلا أنهم . وقوله فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا اللّه له قال : القاضي عياض الظاهر أنه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين ووكل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه ، فاختلف أحبارهم في تعيينه ولم يهدهم اللّه له وفرضه على هذه الأمة مبينا ، ولم يكلهم إلى اجتهادهم ففازوا بفضيلته قال : يعني القاضي عياضا - وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة ، وأعلمهم بفضله فناظروه أن السبت أفضل . فقيل له دعهم . قال القاضي : ولو كان منصوصا عليه لم يصح اختلافهم فيه بل كان يقول : خالفوا فيه . قال الشيخ محيي الدين النووي : ويمكن أن يكونوا أمروا به صريحا ونص على عينه فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم إبداله فأبدلوه ، وغلطوا في إبداله . قال الإمام فخر الدين الرازي في قوله تعالى « على الذين اختلفوا فيه » يعني على نبيهم موسى ، حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم ، أي لأجله وليس معنى قوله اختلفوا فيه أن اليهود اختلفوا ، فمنهم من قال بالسبت ، ومنهم من لم يقل به ، لأن اليهود اتفقوا على ذلك . وزاد الواحدي على هذا فقال : وهذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم : معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال : هو أعظم الأيام حرمة لأن اللّه فرغ من خلق الأشياء ، وقال الآخرون بل الأحد أفضل لأن اللّه سبحانه وتعالى ، ابتدأ فيه بخلق الأشياء ، وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فريقين في السبت ، وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل . فان قلت إن اليهود إنما اختاروا السبت ، لأن أهل الملل اتفقوا على أن اللّه خلق الخلق في ستة أيام وبدأ بالخلق والتكوين في يوم الأحد ، وتم الخلق يوم الجمعة وكان يوم السبت يوم فراغ ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك العمل في هذا اليوم ، فاختاروا السبت لهذا المعنى وقالت النصارى : إنما بدأ بخلق الأشياء في يوم الأحد فنحن نجعل هذا اليوم عيدا لنا ، وهذان الوجهان معقولان فما وجه فضل يوم الجمعة حتى جعله أهل الإسلام عيدا ؟ قلت : يوم الجمعة أفضل الأيام لأن كمال الخلق وتمامه كان فيه وحصول التمام والكمال يوجب الفرح والسرور فجعل يوم الجمعة عيدا بهذا الوجه وهو أولى . ووجه آخر وهو أن اللّه عز وجل خلق فيه أشرف خلقه ، وهو آدم عليه السلام وهو أبو البشر وفيه تاب عليه فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب ، ولأن اللّه سبحانه وتعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة وادخره لهم ، ولم يختاروا لأنفسهم شيئا ، وكان ما اختاره اللّه لهم أفضل مما اختاره غيرهم لأنفسهم ، وقال بعض العلماء : بعث اللّه موسى بتعظيم يوم السبت ثم نسخ بيوم الأحد في شريعة عيسى عليه السلام ثم نسخ يوم السبت ، ويوم الأحد بيوم الجمعة في شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكان أفضل الأيام يوم الجمعة كما أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأنبياء . وفي معنى الآية قول آخر قال قتادة : الذين اختلفوا فيه اليهود استحله بعضهم ، وحرمه بعضهم فعلى هذا القول يكون معنى قوله إنما جعل السبت أي وبال السبت ولعنته على الذين اختلفوا فيه ، وهم