علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
100
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ نزلت في عمار بن ياسر وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمه سمية ، وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ليرجعوا عن الإسلام ، فأما سمية أم عمار فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قلبها بحربة ، فقتلت ، وقتل زوجها ياسر فهما أول قتيلين قتلا في الإسلام وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه مكرها . قال قتادة أخذ بنو المغيرة عمار وغطوه في بئر ميمون وقالوا له : اكفر بمحمد فبايعهم على ذلك وقلبه كاره ، وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن عمارا كفر . فقال « كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يبكي فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما وراءك قال : شر يا رسول اللّه نلت منك وذكرت . فقال : كيف وجدت قلبك قال : مطمئنا بالإيمان فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمسح عينيه . وقال : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت » فنزلت هذه الآية . وقال مجاهد : نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن هاجروا إلينا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا ، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم عن دينهم فكفروا كارهين ، وهذا القول ضعيف لأن الآية مكية وكان هذا في أول الإسلام قبل أن يؤمروا بالهجرة ، وقال مقاتل : نزلت في جبر مولى عامر ابن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر ، فكفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان ثم أسلم عامر بن الحضرمي مولى جبر ، وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة والأولى أن يقال إن الآية عامة في كل من أكره على الكفر ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وإن كان السبب خاصا . فإن قلت : المكره على الكفر ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر ، فما معنى هذا الاستثناء فيه إلا من أكره . قلت : المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما شابه ما يظهر من الكافر طوعا صح هذا الاستثناء لهذه المشابهة والمشاكلة واللّه أعلم . فصل في حكم الآية قال العلماء : يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به ، مثل التخويف بالقتل والضرب الشديد والإيلامات القوية ، مثل التحريق بالنار ونحوه . قال العلماء : أول من