علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

84

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

قوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ أي ما أنزل اللّه ولا حكم به ولا شرعه ولا أمر به مِنْ بَحِيرَةٍ البحيرة : من البحر وهو الشق . يقال : بحر ناقته إذا شق أذنها فهي فعلية بمعنى مفعولة وَلا سائِبَةٍ يعني المسيبة المخلاة وَلا وَصِيلَةٍ الوصيلة : الشاة وكانت العرب في الجاهلية إذا ولدت لهم ذكرا أو أنثى قالوا وصلت أخاها وَلا حامٍ الحام : هو الفحل من الإبل يحمى ظهره فلا يركب ولا ينتفع به . قال ابن عباس : في بيان هذه الأوصاف ، البحيرة : هي الناقة إذا ولدت خمسة أبطن لم يركبوها ولم يجزّوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء وإن كانت أنثى شقوا أذنها وتركوها وحرموا على الناس منافعها . وكانت منافعها للرجال خاصة فإذا ماتت حلت الرجال والنساء . وقيل كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم سيب مع أمها ويفعل بها ما يفعل بأمها . وقيل : السائبة البعير الذي يسيب لآلهتهم وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض أو غاب له قريب نذر ، فقال : 7 ن شفاني اللّه أو شفى اللّه مريضي أو قدم غائبي فناقتي هذه سائبة ثم يسيبها ، فلا تحبس عن ماء ولا مرعى ولا يركبها أحد ، فهي بمنزلة البحيرة والوصيلة من الغنم . كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكر ذبحوه وأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن كانت ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها واستحيوا الذكر فلم يذبحوه من أجل الأنثى والحامي هو الفحل إذا ركب ولد ولده . وقيل : هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن . قالوا : حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى فإذا مات أكله الرجال والنساء ( ق ) عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء . قال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار . ولمسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب وهو يجر قصبه في النار ( خ ) عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأيت جهنم تحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب . القصب بضم القاف وسكون الصاد المهملة الأمعاء كانت الجاهلية تفعل هذا في جاهليتهم فلما بعث اللّه عز وجل نبيه صلى اللّه عليه وسلم أبطل ذلك بقوله ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام يعني ما بحر اللّه من بحيرة ولا سيب من سائبة ولا وصل من وصيلة ولا حمى من حام ولا أذن فيه ولا أمر به ولكنكم أنتم فعلتم ذلك من عند أنفسكم ( خ ) عن ابن مسعود أن أهل الإسلام لا يسيبون وأن أهل الجاهلية كانوا يسيبون . وقوله تعالى : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يعني بقولهم إن اللّه أمرنا بهم وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أراد بالأكثر الاتباع يعني أن الاتباع لا تعقل أن هذا كذب وافتراء من الرؤساء على اللّه عز وجل : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 104 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ يعني : وإذا قيل لهؤلاء الذين بحروا البحائر وفعلوا هذه الأشياء أضافوها إلى اللّه كذبا تعالوا إلى ما أنزل اللّه يعني في كتابه وإلى الرسول يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلم الذي أنزل عليه كتابه ليبين لكم كذب ما تضيفونه إلى اللّه ويبين لكم الشرائع والأحكام وإن الذي تفعلونه ليس بشيء قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يعني قد اكتفينا بما أخذنا عنهم من الدين ونحن لهم تبع قال اللّه ردا عليهم أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ يعني إنما يصح الاقتداء بالعالم المهتدي الذي يبني قوله على الحجة والبرهان والدليل وأن آباءهم ما كانوا كذلك فيصح اقتداؤهم بهم قوله عز وجل :