علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
142
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
عَمَّا يَصِفُونَ فقوله سبحانه فيه تنزيه اللّه عن كل ما لا يليق بجلاله وقوله تعالى يعني هو المتعالي عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد ، أو يكون المعنى : المتعالي عن اتخاذ الولد والتشريك وقوله عَمَّا يَصِفُونَ يعني عما يصفونه به من الكذب . قوله عز وجل : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الإبداع عبارة عن تكوين الشيء على غير مثال سبق واللّه تعالى خلق السماوات والأرض على غير مثال سبق أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ يعني من أين يكون له ولد وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ لأن الولد لا يكون إلا من صاحبة أنثى ولا ينبغي أن تكون للّه صاحبة لأنه ليس كمثله شيء وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يعني أن الصاحبة والولد في جملة من خلق لأنه خالق كل شيء وليس كمثله شيء فكيف يكون الولد لمن لا مثل له وإذا نسب الولد والصاحبة إليه فقد جعل له مثل واللّه تعالى منزه عن المثلية وهذه الآية حجة قاطعة على فساد قول النصارى وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعني أنه تعالى عالم بجميع خلقه لا يعزب عن علمه شيء وعلمه محيط بكل شيء . قوله تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني ذلكم اللّه الذي من صفته أنه خلق السماوات والأرض وأبدعهما على غير مثال سبق إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هو ربكم الذي يستحق العبادة لا من تدعون من دونه من الأصنام لأنها جمادات لا تخلق ولا تضر ولا تنفع ولا تعلم واللّه تعالى هو الخالق الضار النافع لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يعني أنه هو الذي يستحق العبادة فاعبدوه وأطيعوه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يعني أنه هو تعالى على كل شيء خلق رقيب حفيظ ، يقوم بأرزاق جميع خلقه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 103 إلى 105 ] لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) قوله عز وجل : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ قال جمهور المفسرين معنى : الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته فالأبصار ترى البارئ جل جلاله ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به . وقال سعيد بن المسيب في تفسيره : قوله لا تدركه الأبصار ، لا تحيط به الأبصار . وقال ابن عباس : كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به . ( ( فصل ) ) تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع ووهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا : إن اللّه تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة عقلا ، لأن اللّه أخبر أن الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية ، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة وأن رؤيته غير مستحيلة عقلا واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللّه تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة قال اللّه تبارك وتعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وقال تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال الشافعي رحمه اللّه : حجب قوما بالمعصية وهي الكفر فثبت أن قوما يرونه بالطاعة وهي الإيمان وقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب وقال تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وفسروا هذه الزيادة بالنظر إلى وجه اللّه تبارك وتعالى يوم القيامة .