علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

77

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف وأول الناس قص شاربه وأول الناس رأى الشيب . قال : رب ما هذا قال الرب تبارك وتعالى وقارا يا إبراهيم قال يا رب زدني وقارا » أخرجه مالك في الموطأ وقيل : في الكلمات إنها مناسك الحج . وقيل : ابتلاه اللّه بسبعة أشياء بالكوكب والقمر والشمس فأحسن النظر فيهن وبالنار والهجرة وذبح ولده والختان ، فصبر عليها وقيل : إن اللّه اختبر إبراهيم بكلمات أوحاها إليه وأمره أن يعمل بهن فأتمهن أي أداهن حق التأدية ، وقام بموجبهن حق القيام وعمل بهن من غير تفريط وتوان ولم ينتقص منهن شيئا . واختلفوا هل كان هذا الابتلاء قبل النبوة أو بعدها فقيل : كان قبل النبوة بدليل قوله في سياق الآية : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والسبب يتقدم على المسبب . وقيل : بل كان هذا الابتلاء بعد النبوة لأن التكليف لا يعلم إلا من جهة الوحي الإلهي وذلك بعد النبوة . والصواب أنه إن فسر الابتلاء بالكوكب والقمر والشمس كان ذلك قبل النبوة ، وإن فسر بما وجب عليه من شرائع الدين كان ذلك بعد النبوة . وقوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي يقتدى بك في الخير ويأتمون بسنّتك وهديك ، والإمام هو الذي يؤتم به قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي قال إبراهيم : واجعل من ذريتي وأولادي أئمة يقتدى بهم قالَ اللّه لا يَنالُ أي لا يصيب عَهْدِي أي نبوتي . وقيل الإمامة الظَّالِمِينَ يعني من ذريتك والمعنى لا ينال ما عاهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالما من ذريتك وولدك . قوله عز وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ يعني البيت الحرام ، وهو الكعبة ويدخل فيه الحرم فإن اللّه تعالى وصفه بكونه آمنا وهذه صفة جميع الحرم مَثابَةً لِلنَّاسِ أي مرجعا من ثاب يثوب إذا رجع ، والمعنى يثوبون إليه من كل جانب يحجونه وَأَمْناً أي موضعا ذا أمن يؤمنون فيه من أذى المشركين فإنهم كانوا لا يتعرضون لأهل مكة . ويقولون : هم أهل اللّه . وقال ابن عباس : معاذا وملجأ ( ق ) عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة : « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاه فقال العباس : يا رسول اللّه إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال : إلا الإذخر » . معنى الحديث : أنه لا يحل لأحد أن ينصب القتال والحرب في الحرم وإنما أحل ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة فقط ولا يحل لأحد بعده . قوله : لا يعضد شوكه أي لا يقطع شوك الحرم وأراد به ما لا يؤذي منه أما ما يؤذي منه كالعوسج فلا بأس بقطعه . قوله : ولا ينفر صيده أي لا يتعرض له بالاصطياد ولا يهاج . قوله : ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها أي ينشدها . والنشد رفع الصوت بالتعريف . واللقطة في جميع الأرض لا تحل إلا لمن يعرفها حولا فإن جاء صاحبها أخذها . وإلا انتفع بها الملتقط بشرط الضمان . وحكم مكة في اللقطة أن يعرفها على الدوام بخلاف غيرها من البلاد فإنه محدود بسنة . قوله : ولا يختلى خلاه . الخلي مقصور الرطب من النبات الذي يرعى وقيل : هو اليابس من الحشيش وخلاه قطعه . وقول : لقينهم القين الحداد وقوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قيل : الحرم كله مقام إبراهيم ، وقيل : أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج مثل عرفة والمزدلفة والرمي وسائر المشاهد ، والصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة ، وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت ، وقيل : كان أثر أصابع رجلي إبراهيم عليه السلام فيه فاندرست بكثرة المسح بالأيدي وقيل : إنما أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله ( ق ) عن أنس بن مالك قال قال عمر : « وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى