علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

226

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

تكررت ألفاظه وقيل : إن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان . والمتشابه ما احتاج إلى بيان وقيل : إن المحكم هو الأمر والنهي والوعد والوعيد والمتشابه هو القصص والأمثال . فإن قلت : إنما نزل القرآن لبيان الدين وإرشاد العباد وهدايتهم فما فائدة المتشابه وهلا كان كله محكما ؟ قلت : ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة أحدها . أن القرآن أنزل بألفاظ العرب ولغاتهم وكلام العرب على ضربين أحدهما : الإيجاز للاختصار والموجز الذي لا يخفى على سامعه لا يحتمل غير ظاهره ، والإطالة لبيان المراد والتوكيد . الضرب الثاني : المجاز والكنايات والإشارات والتلويحات وإغماض بعض المعاني ، وهذا الضرب هو المستحسن عند العرب والبديع في كلامهم فأنزل اللّه تعالى القرآن على هذين الضربين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فكأنه قال : عارضوه بأي الضربين شئتم ، ولو نزل كله محكما واضحا لقالوا : هلا أنزل بالضرب المستحسن عند الجواب الثاني أن اللّه تعالى أنزل المتشابه لفائدة عظيمة ، وهي أن يشتغل أهل العلم والنظر بردهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم ويتصل بالبحث عن معانيه اهتمامهم فيثابون على تعبهم كما أثبتوا على عباداتهم . ولو أنزل القرآن كله محكما لاستوى في معرفته العالم والجاهل ولم يفضل العالم على غيره ولماتت الخواطر وخمدت الفكرة ، ومع الغموض تقع الحاجة إلى الفكرة والحيلة إلى استخراج المعاني . وقد قيل في عيب الغنى إنه يورث البلادة وفي فضيلة الفقر إنه يورث الفطنة . وقيل : إنه يبعث على الحيلة لأنه إذا احتاج احتال . الجواب الثالث : أن أهل كل علم يجعلون في علومهم معاني غامضة ومسائل دقيقة ليختبروا بذلك أذهان المتعلمين منهم على انتزاع الجواب لأنهم إذ قدروا على انتزاع المعاني الغامضة كانوا على الواضح أقدر ، فلما كان ذلك حسنا عند العلماء جاز أن يكون ما أنزل اللّه تعالى من المتشابه على هذا النحو . الجواب الرابع : ان اللّه تعالى أنزل المتشابه في كتابه مختبرا به عباده ليقف المؤمن عنده ويرد علمه إلى عالمه فيعظم بذلك ثوابه ، ويرتاب به المنافق فيداخله الزيغ فيستحق بذلك العقوبة كما ابتلى بنو إسرائيل بالنهر واللّه أعلم بمراده . وقوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الحق وقيل : الزيغ الشك واختلفوا في المعنى بهم والمشار إليهم فقيل هم وفد نجران الذين خاصموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في عيسى عليه السلام وقالوا : ألست تزعم أن عيسى روح اللّه وكلمته ؟ قال : بلى قالوا : حسبنا فأنزل اللّه هذه الآية . وقيل : هم اليهود لأنهم طلبوا معرفة مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه بحساب الجميل من الحروف المقطعة في أوائل السور . وقيل : هم المنافقون وقيل : هم الخوارج وكان قتادة يقول : إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم . وقيل هم جميع المبتدعة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ يعني يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم ، ويقولون : ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا ثم نسخت . وقيل كل من احتج لباطله بالمتشابه فهو المعنى بهذه الآية . ( ق ) عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : « تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ - إلى - وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ فقال : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم اللّه فاحذروهم » وقوله تعالى : ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب الشرك والكفر . وقيل : طلب الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم وقيل : طلب إفساد ذات البين وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي تفسيره . وأصل التأويل في اللغة : المرجع والمصير تقول : آل الأمر إلى كذا إذا رجع إليه وتسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير إليه . قال ابن عباس في قوله : وابتغاء تأويله أي طلب بقاء ملك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل : المراد بهم الكفار طلبوا متى يبعثون وكيف أحياهم بعد الموت وقيل هو طلب تفسير المتشابه وعلمه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ يعني تأويل المتشابه وقيل : لا يعلم انقضاء ملك هذه الأمة إلّا اللّه تعالى لأن انقضاء ملكها مع قيام الساعة . ولا يعلم ذلك إلّا اللّه وقيل : يجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر اللّه بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه كعلم قيام الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدجال ، ونزول عيسى ابن مريم ، وعلم الحروف المقطعة ، وأشباه ذلك مما استأثر اللّه بعلمه فالإيمان به واجب وحقائق علومه مفوضة إلى اللّه تعالى ، وهذا قول أكثر المفسرين وهو مذهب ابن