علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
118
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
يعني منتهى الصوم إلى الليل فإذا دخل الليل حصل الفطر ( ق ) عن عمر بن الخطاب قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم » وهل يلزم الصائم أن يتناول عند تحقق غروب الشمس شيئا ؟ فيه وجهان : أحدهما نعم يلزم ذلك لنهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوصال . والثاني لا ، لأنه قد حصل الفطر بمجرد دخول الليل سواء أكل أو لم يأكل ، وتمسكت الحنفية بهذه الآية في أن الصوم النفل يجب إتمامه وقالوا : لأن قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر وهو للوجوب وهو يتناول كل الصيام . أجاب أصحاب الشافعي عنه بأن هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض فكان المراد منه صوم الفرض ويدل على إباحة الفطر من النفل ما روي عن عائشة قالت : « دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم فقال هل عندكم شيء ، قلنا لا قال : فإني إذا صائم ثم أتانا يوما آخر فقلت يا رسول اللّه أهدي لنا حيس . قال : أرنيه فلقد أصبحت صائما فأكل » أخرجه مسلم . الحيس هو خلط الأقط والتمر والسمن وقد يجعل عوض الأقط دقيق أو فتيت وقيل هو التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق والأول أعرف . قوله عز وجل : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ الاعتكاف هو الإقبال على الشيء والملازمة له على سبيل التعظيم . وهو في الشرع عبارة عن الإقامة في المسجد على عبادة اللّه تعالى . وسبب نزول هذه الآية أن نفرا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يعتكفون في المسجد ، فإذا عرض لرجل منهم حاجة إلى أهله خرج إليها وخلا بها ، ثم اغتسل ورجع إلى المسجد فنهوا عن ذلك حتى يفرغوا من اعتكافهم . واعلم أن اللّه تعالى بين أن الجماع يحرم على الصائم بالنهار ويباح له في الليل ، فكان يحتمل أن يكون حكم الاعتكاف كحكم الصوم فبين اللّه تعالى في هذه الآية أن الجماع يحرم على المعتكف في النهار والليل حتى يخرج من اعتكافه . ( فصل في حكم الاعتكاف ) الاعتكاف سنة ولا يجوز في غير المسجد ، وذلك لأن المسجد يتميز عن سائر البقاع بالفضل لأنه بني لإقامة الطاعات والعبادات فيه . ثم اختلفوا فنقل عن علي أنه لا يجوز إلّا في المسجد الحرام لقوله : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ فخصه به وقال عطاء : لا يجوز إلّا في المسجد الحرام ومسجد المدينة . وقال حذيفة : يجوز في هذين المسجدين ومسجد بيت المقدس . وقال الزهري : لا يصح إلّا في الجامع وقال أبو حنيفة : لا يجوز إلّا في مسجد له إمام ومؤذن وقال الشافعي ومالك وأحمد يجوز في سائر المساجد لعموم قوله : وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ إلّا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج من معتكفه لصلاة الجمعة ( ق ) عن عائشة : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللّه عز وجل ثم اعتكف أزواجه بعده ( ق ) عن ابن عمر : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان » . ( فروع : الأول : ) يجوز الاعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه ، وقال أبو حنيفة : الصوم شرط في الاعتكاف ولا يصح إلّا به ، وحجة الشافعي ما روي عن عمر : « قال يا رسول اللّه إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال فأوف بنذرك » أخرجاه في الصحيحين ومعلوم أنه لا يصح الصوم في الليل . ( الفرع الثاني ) لا يقدر للاعتكاف زمان عند الشافعي وأقله لحظة ، ولا حد لأكثره ، فلو نذر اعتكاف ساعة صح نذره ، ولو نذر أن يعتكف مطلقا يخرج من نذره باعتكاف ساعة . قال الشافعي : وأحب أن يعتكف يوما ، وإنما قال ذلك للخروج من الخلاف فإن أقل زمن الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم بشرط أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس .