أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

91

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في « كأن » والمعنى على الكسر في قولك : إنّ زيدا كالأسد . وأما الكسر فعلى إضمار القول . وكثيرا ما يضمر وهو غني عن الشواهد . وقوله : أَنْ لا تَعْبُدُوا . كقوله : أَلَّا تَعْبُدُوا في أول السورة ، ويزيد هنا شيء آخر وهو أنها على قراءة من فتح « أنّ » يحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون بدلا من قوله « إِنِّي لَكُمْ » ، أي : أرسلناه بألا تعبدوا . والثاني : أن تكون مفسرة والمفسر بها إمّا « أَرْسَلْنا » ، وإمّا « نَذِيرٌ » . وأما على قراءة من كسر فيجوز أن تكون المصدرية وهي معمولة ل « أَرْسَلْنا » ، ويجوز أن تكون المفسرة بحالتها . قوله : « أَلِيمٍ » إسناد الألم إلى « اليوم » مجاز لوقوعه فيه لا به . وقال الزمخشري : « فإذا وصف به العذاب » . قلت : مجاز ، لأن الأليم في الحقيقة هو المعذب ، ونظيرهما قولك : نهارك صائم . قال الشيخ « 1 » : وهذا على أن يكون « أَلِيمٍ » صفة مبالغة من « آلم » وهو من كثر ألمه ، وإن كان أليم بمعنى : مؤلم فنسبته لليوم مجاز وللعذاب حقيقة . [ سورة هود ( 11 ) : آية 27 ] فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 27 ) قوله : ما نَراكَ . يجوز أن تكون قلبية ، وأن تكون بصريّة . فعلى الأول تكون الجملة من قوله « اتَّبَعَكَ » في محل نصب مفعولا ثانيا وعلى الثاني في محل نصب على الحال ، و « قد » مقدرة عند من يشترط ذلك . و « الأراذل » فيه وجهان : أحدهما : أنه جمع الجمع . والثاني : جمع فقط . والقائلون بالأول اختلفوا فقيل : جمع ل « أرذل » و « أرذل » جمع ل « رذل » نحو : « كلب وأكلب وأكالب » . وقيل : بل جمع ل « أراذل » و « أرذل » جمع ل « رذل » أيضا . والقائلون بأنه ليس جمع جمع بل جمع فقط ، قالوا : هو جمع ل « رذل » وإنما جاز أن يكون جمعا ل « أرذل » لجريانه مجرى الأسماء من حيث إنه هجر موصوفه ك « الأبطح والأبرق » . وقال بعضهم : هو جمع « أرذل » الذي للتفضل وجاء جمعا كما جاء أَكابِرَ مُجْرِمِيها و « أحاسنكم » « أخلاقا » ويقال : رجل رذل ورذال كرجل ورجال وهو المرغوب عنه لرداءته . قوله : بادِيَ الرَّأْيِ قرأ أبو عمرو من السبعة وعيسى الثقفي « بادىء » بالهمزة ، الباقون بياء صريحة مكان الهمزة ، فأما الهمزة بمعنى : بادىء الرأي أي : أول الرأي بمعنى : أنه غير صادر عن روية وتأمل بل من أول وهلة . وأما من لم يهمز فيحتمل أن يكون أصله كما تقدم . ويحتمل أن يكون من بدا يبدو أي : ظهر والمعنى ظاهر الرأي دون باطنه ، أي : لو تأمل لعرف باطنه وهو في المعنى كالأول . وفي انتصابه على كلتا القراءتين سبعة أوجه :

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 214 ) .