أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

80

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ثِيابَهُمْ » ويزيدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضا كراهة لاستماع كلام اللّه كقول نوح - عليه السّلام - جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ « 1 » . وقدره أبو البقاء فقال : « ألا حين يستغشون ثيابهم يستخفون » . والثاني : أن الناصب له « يَعْلَمُ » . أي : ألا يعلم سرهم وعلنهم حين يفعلون كذا ، وهذا معنى واضح ، وكأنهم إنما جوّزوا غيره ، لئلا يلزم تقيد علمه تعالى سرهم وعلنهم بهذا الوقت الخاص ، وهو تعالى عالم بذلك في كل وقت ، وهذا غير لازم ، لأنه إذا علم سرّهم وعلنهم في وقت التغشية الذي يخفى فيه السر فأولى من غيره ، وهذا بحسب العادة ، وإلا فاللّه - تعالى - لا يتفاوت علمه . و « ما » يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون بمعنى الذي ، فالعائد محذوف ، أي : يسرونه ويعلنونه . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 6 إلى 9 ] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 8 ) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) قوله : مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها . يجوز أن يكونا مصدرين أي : استقرارها واستيداعها ، ويجوز أن يكونا مكانين ، أي : مكان استقرارها واستيداعها ، ويجوز أن يكون « مُسْتَوْدَعَها » اسم مفعول ، لتعدي فعله ، ولا يجوز ذلك في « مستقر » لأن فعله لازم ونظيره في المصدرية قول الشاعر : 2657 - ألم تعلم مسرّحي القوافي * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 2 » أي : تستريحي . قوله : « كُلٌّ » المضاف إليه محذوف تقديره : كل دابة ورزقها ومستقرها ومستودعها في كتاب مبين . قوله : لِيَبْلُوَكُمْ . في هذه اللام وجهان : أحدهما : أنها متعلقة بمحذوف فقيل تقديره : أعلم بذلك ليبلوكم ، وقيل : ثمّ جملة محذوفة والتقدير : وكان خلقه لهما بالمنافع يعود عليكم نفعها في الدنيا دون الأخرى ، وفعل ذلك ليبلوكم ، وقيل تقديره : وخلقكم ليبلوكم . والثاني : أنها متعلقة ب « خَلَقَ » . قال الزمخشري : « أي ، خلقها لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده ، وينعم عليهم فيها بصنوف النعم ، ويكلفهم فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، فمن شكر وأطاع أثابه ومن كفر وعصى

--> ( 1 ) سورة نوح ، آية : ( 7 ) . ( 2 ) تقدم .