أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

76

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : خبر مبتدأ محذوف فقيل تقديره : تفصيله ألا تعبدوا إلّا اللّه ، وقيل تقديره : هي ألا تعبدوا إلا اللّه . والثالث : أنه مرفوع على البدل من « آياتُهُ » . قال الشيخ « 1 » : « وأما من أعربه أنه بدل من لفظ « آيات » أو من موضعها . قلت : يعني : أنها في الأصل مفعول بها فموضعها نصب وهي مسألة خلاف ، هل يجوز أن يراعى أصل المفعول القائم مقام الفاعل فيتبع لفظه تارة وموضعه أخرى ، فيقال : ضربت هند العاقلة بنصب « العاقلة » باعتبار المحل ورفعها باعتبار اللفظ أم لا ؟ مذهبان المشهور مراعاة اللفظ فقط . والثالث : أن تكون تفسيرية ، لأن في تفصيل الآيات معنى القول فكأنه قيل : قال لا تعبدوا إلا اللّه أو أمركم . وهذا أظهر الأقوال لأنه لا يحوج إلى اضمار . قوله : مِنْهُ في هذا الضمير وجهان : أحدهما : - وهو الظاهر - أنه يعود على اللّه تعالى ، أي : أنى لكم من جهة اللّه نذير وبشير . قال الشيخ : « فيكون في موضع الصفة فيتعلق بمحذوف أي : كائن من جهته وهذا على ظاهره ليس بجيد ، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف فكيف يجعل صفة ل « نَذِيرٌ » وكأنه يريد : أنه صفة في الأصل لو تأخر ، ولكن لما تقدم صار حالا ، وكذا صرّح به أبو البقاء . فكان صوابه أن يقول : فيكون في موضع الحال ، والتقدير كائنا من جهته . الثاني : أنه يعود على « الكتاب » ، أي : نذير لكم من مخالفته وبشيرا منه لمن آمن وعمل صالحا ، وفي متعلق هذا الجار أيضا وجهان : أحدهما : أنه حال من « نَذِيرٌ » فيتعلق بمحذوف . والثاني : أنه متعلق بنفس « نَذِيرٌ » و « بَشِيرٌ » أي : أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم وأبشركم بثوابه ان آمنتم ، وقدم الإنذار ، لأن التخويف أهم إذ يحصل به الانزجار . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 3 إلى 4 ] وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ( 3 ) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 4 ) قوله : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا . فيها وجهان : أحدهما : أنه عطف على « أَنِ » الأولى سواء كانت « لا » بعدها نفيا أو نهيا ، فتعود تلك الأوجه المنقولة فيها إلى « أَنِ » هذه . والثاني : أن تكون منصوبة على الاغراء . قال الزمخشري : - في هذا الوجه - : « ويجوز أن يكون كاملا منقطعا عما قبله على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - إغراء منه على اختصاص اللّه - تعالى - بالعبادة . ويدل عليه قوله : إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ كأنه قال : ترك عبادة غير اللّه ، إنني لكم منه نذير ، كقوله تعالى فَضَرْبَ الرِّقابِ . قوله : ثُمَّ تُوبُوا

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 201 ) .