أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
74
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
سورة هود بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يجوز في « هود » مرادا به السورة : الصّرف وتركه ، وذلك باعتبارين ، وهما أنك إن عنيت أنه اسم للسورة تعين منعه من الصرف ، هذا رأي الخليل وسيبويه « 1 » ، وكذلك : نوح ولوط إذا جعلتهما اسمين للسورتين المذكورتين فيها تقول : قرأت هود ونوح ولوط ، وتبركت بهود ونوح ولوط . فإن قلت : قد نصوا على أن المؤنث الثلاثي الساكن الوسط نحو : « هند ودعد » ، والأعجمي الثلاثي الساكن الوسط نحو : « نوح ولوط » فيه جواز الصرف وتركه ، مع أن الصحيح وجوب صرف « نوح » ؟ فالجواب أن شرط ذلك أن يكون المؤنث منقولا من مذكر إلى مؤنث ، فلو سمّيت امرأة ب « زيد » تحتم منعه ، وشرط الأعجمي أن لا يكون مؤنثا ، فلو كان مؤنثا تحتم منعه نحو : « ماه وجور ، وهود ونوح » من هذا القبيل ، فإن هود في الأصل لمذكر ، وكذلك نوح ، ثم سمى بهما السورة وهي مؤنثة وان كان تأنيثها مجازيا ، وإن اعتبرت أنها على حذف مضاف وجب صرفه فتقول : « قرأت هودا ونوحا » يعني : سورة هود وسورة نوح ، وقد جوّز الصرف بالاعتبار الأول عيسى بن عمر ، ورأيه ضعيف ولا خفاء ، أنك إذا قصدت ب « هود ونوح » النبي نفسه صرفت فقط عند الجمهور في الأعجمي ، وأما « هود » فإنه عربي فيتحتم صرفه ، وقد عقد النحويون لأسماء السور والألفاظ والأحياء والقبائل والأماكن بابا في منع الصرف وعدمه . حاصله : إنك إن عنيت قبيلة أو أما أو بقعة أو سورة أو كلمة منعت ، وإن عنيت حيّا أو أبا أو مكانا أو غير صورة أو لفظا صرفت بتفصيل كبير ، وأمثلة طويلة حققتها في شرح التسهيل . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ( 2 ) قوله تعالى : كِتابٌ . يجوز أن يكون خبرا ل « الر » أخبر عن هذه الأحرف بأنها كتاب موصوف بكيت وكيت ، وأن يكون خبر ابتداء مضمر تقديره : ذلك كتاب يدلّ على ذلك ظهوره في قوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ « 2 » وقد تقدم في أول هذا التضعيف ما يكفيك في ذلك . قوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ في محل رفع صفة ل « كِتابٌ » والهمزة في « أُحْكِمَتْ » يجوز أن تكون للنقل من حكم بضم الكاف ، أي : صار حكيما بمعنى : جعلته حكيما كقوله : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ « 3 » ويجوز أن يكون من قولهم : أحكمت الدّابّة إذا وضعت عليها الحكمة لمنعها من الجماع كقول جرير :
--> ( 1 ) أنظر الكتاب ( 3 / 256 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : ( 2 ) . ( 3 ) سورة لقمان ، آية : ( 2 ) .