أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
518
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بمعنى الشرط والتقدير : إن اشتد عتوهم أو لم يشتد كما تقول : « ضربت القوم أيّهم غضب » المعنى : إن غضبوا أو لم يغضبوا . وقرأ طلحة بن مصرف ، ومعاذ بن مسلم الهرّاء أستاذ الفراء ، وزائدة عن الأعمش « أيّهم » نصبا . قلت : فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها ، وهو المشهور عند النقلة عنه ، وقد نقل عنه أنه يحتم بناءها « 1 » ، قال النحاس : « ما علمت أحدا من النحويين إلّا وقد خطّأ سيبويه » . قال : وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول : ما تبين لي أنّ سيبويه غلط في كتابه إلّا موضعين ، عدا أحدهما ، قال : وقد أعرب سيبويه « أيّا » وهي مفردة ، لأنها مضافة ، فكيف ببنائها مضافة ؟ وقال الجرمي : خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحدا يقول : « لأضربنّ أيّهم قائم » بالضم ، بل ينصب و « عَلَى الرَّحْمنِ » متعلق ب « أَشَدُّ » ، و « عِتِيًّا » منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ ، إذ التقدير : أيهم هو عتوه أشد ، ولا بد من محذوف يتم به الكلام ، التقدير : نلقيه في العذاب ، أو فيبدأ بعذابه . قال الزمخشري : « فإن قلت : بم يتعلق « عَلَى » و « الباء » ، فإنّ تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه ؟ قلت : هما للبيان لا للصلة ، أو يتعلقان بأفعل ، أي : عتوهم أشد على الرحمن ، وصليهم أولى بالنار كقولهم : « هو أشدّ على خصمه ، وهو أولى بكذا » . قلت : يعني ب « عَلَى » قوله : « عَلَى الرَّحْمنِ » وبالباء في قوله : « بِالَّذِينَ هُمْ » ، وقوله : بالمصدرين يعني : بهما « عِتِيًّا » و « صِلِيًّا » ، وأما كونه لا سبيل إليه فلأن المصدر في نيّة الموصول ، ولا يتقدم معمول الموصول عليه ، وجوّز بعضهم أن يكون « عِتِيًّا » و « صِلِيًّا » في هذه الآية مصدرين كما تقدم ، وجوز أن يكونا جمع عات وصال فانتصابهما على هذا على الحال ، وعلى هذا يجوز أن يتعلق على والباء بهما ، لزوال المحذور المذكور . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 71 إلى 73 ] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) قوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا في هذه الواو وجهان : أحدهما : أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها . وقال ابن عطية : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها » قسم والواو تقتضيه ويفسّره قول النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « من مات وله ثلاثة من الولد لم تمسّه النّار إلّا تحلّة القسم » . قال الشيخ « 2 » : « وذهل عن قول النحويين أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب ، لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو بأن ، والجواب هنا على زعمه بأنّ النافية فلا يجوز حذف القسم على ما نصّوا . وقوله : « والواو تقتضيه ، يدل على أنها عنده واو القسم ولا يذهب نحويّ إلى أنّ مثل هذه الواو واو قسم ، لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور ، وإبقاء الجار ، ولا يجوز ذلك إلّا إن وقع في شعر أو نادر كلامهم بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه ، كما أولوا في قولهم : « نعم السّير على بئس العير » أي : على غير بئس العير ، وقوله : 3280 - واللّه ما ليلي بنام صاحبه « 3 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 209 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 109 ) . ( 3 ) البيت في الخصائص ( 2 / 266 ) ، الإنصاف ( 1 / 112 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 62 ) ، أمالي ابن الشجري -