أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

508

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

كتب النحو . و يَوْمَ يَأْتُونَنا معمول ل « أَبْصِرْ » ، ولا يجوز أن يكون معمولا ل « أَسْمِعْ » ، لأنه لا يفصل بين فعل التعجب ومعموله ، ولذلك كان الصحيح أنه لا يجوز أن تكون المسألة من التنازع ، وقد جوّزه بعضهم ملتزما إعمال الثاني ، وهو خلاف قاعدة الإعمال ، وقيل : بل هو أمر حقيقة ، والمأمور هو رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمعنى : أسمع الناس وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا تصنع بهم من العذاب . وهو منقول عن أبي العالية . وقوله : « الْيَوْمَ » منصوب بما تضمنه الجار من قوله : « فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » أي : لكن الظالمون استقروا في ضلال مبين اليوم ، ولا يجوز أن يكون هذا الظرف هو الخبر والجار لغو ، فلئلا يخبر عن الجثة بالزمان ، بخلاف قولك : « القتال اليوم في دار زيد » فإنه يجوز الاعتباران . وقوله : إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ . يجوز أن يكون منصوبا ب « الْحَسْرَةِ » ، والمصدر المعرف بأل يعمل في المفعول الصريح عند بعضهم ، فكيف بالظرف ، ويجوز أن يكون بدلا من « يَوْمَ » فيكون معمولا ل « أنذر » كما قال أبو البقاء ، والزمخشري ، وتبعهما الشيخ « 1 » ولم يذكر غير البدل . وهذا لا يجوز إن كان الظرف باقيا على حقيقته ، إذ يستحيل أن يعمل المستقبل في الماضي فإن جعلت « الْيَوْمَ » مفعولا به ، أي : خوفهم نفس اليوم ، أي : أنهم يخافون اليوم نفسه . صحّ ذلك لخروج الظرف إلى حيّز المفاعيل الصريحة . وقوله : لكِنِ الظَّالِمُونَ من إيقاع الظاهر موقع المضمر . قوله : وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ جملتان حاليتان ، وفيهما قولان : أحدهما : أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله : « فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » أي : استقروا في ضلال مبين على الحالتين السيئتين . والثاني : أنهما حالان من مفعول « أَنْذِرْهُمْ » أي : أنذرهم على هذه الحال وما بعدها ، وعلى الأول يكون قوله : « وَأَنْذِرْهُمْ » اعتراضا . وقرأ العامة « . . . يُرْجَعُونَ » . بالياء من تحت مبنيا للمفعول ، والسّلمي وابن أبي إسحاق وعيسى مبنيا للفاعل ، والأعرج بالتاء من فوق مبنيا للمفعول على الخطاب ، يجوز أن يكون التفاتا وألّا يكون . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 42 إلى 46 ] إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 )

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 191 ) .