أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
505
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
دمت تدوم . وهي اللغة الغالبة ، ودمت تدام ك « خفت ، تخاف » وهذا كما تقدّم « 1 » لك في مات يموت ، ومات يمات . قوله : وَبَرًّا . العامة بفتح الباء ، وفيه تأويلان : أحدهما : أنه منصوب نسقا على « مُبارَكاً » ، أي : وجعلني برّا . الثاني : أنه منصوب بإضمار فعل . واختير هذا على الأول ، لأن فيه فصلا كبيرا بجملة الوصية ومتعلقها ، وقرىء : « برّا » بكسر الباء ، إما على حذف مضاف ، وإما على المبالغة من جعل نفس المصدر ، وقد تقدم في البقرة « 2 » أنه يجوز أن يكون وصفا على « فعل » ، وحكى الزهراوي وأبو البقاء ، أنه قرىء بكسر الباء والراء ، وتوجيهه أنه نسق على « الصّلاة » ، أي : وأوصاني بالصلاة والزكاة وبالبر ، و « بِوالِدَتِي » متعلق بالبرّ ، أو البرّ . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 33 إلى 36 ] وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) قوله : وَالسَّلامُ . الألف واللام فيه للعهد ، لأنه قد تقدم لفظه في قوله : وَسَلامٌ عَلَيْهِ فهو كقوله : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ أي : ذلك السّلام الموجه إلى يحيى موجه إليّ . وقال الزمخشري - بعد ذكره ما قدمته - : « والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريفا باللعنة على متهمي مريم - عليهما السّلام - وأعدائها من اليهود . وتحقيقه : « أن اللام للجنس ، فإذا قال : وجنس السّلام علي خاصة ، فقد عرّض بأنّ ضدّه عليكم ، ونظيره وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى . قوله : يَوْمَ وُلِدْتُ منصوب بما تضمنه « عَلَيَّ » من الاستقرار ، ولا يجوز نصبه ب « السَّلامُ » للفصل بين المصدر ومعموله . وقرأ زيد بن علي « ولدت » جعله فعلا ماضيا مسندا لضمير مريم ، والتاء للتأنيث و « حَيًّا » حال مؤكدة . قوله : ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ . يجوز أن يكون « عِيسَى » خبرا ل « ذلِكَ » ، ويجوز أن يكون بدلا أو عطف بيان . و « قَوْلَ الْحَقِّ » خبره ، ويجوز أن يكون « قَوْلَ الْحَقِّ » خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو قول . و « ابْنُ مَرْيَمَ » يجوز أن يكون نعتا أو بدلا أو بيانا أو خبرا ثانيا . وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر « قَوْلَ الْحَقِّ » بالنصب ، والباقون بالرفع ، على ما تقدم . وقال الزمخشري : « وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو بدل » .
--> ( 1 ) انظر سورة البقرة آية ، ( 19 ) . ( 2 ) آية ، رقم ( 177 ) .