أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
501
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في قوله : إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ « 1 » في أحد الأوجه . قلت : وفي ذلك جوابان آخران : أحدهما : أن الفعل الممنوع تعديه إلى الضمير المتصل إنما هو حيث يكون الفعل واقعا بذلك الضمير ، والضمير محل له ، نحو : « دع عنك ، وهوّن عليك » ، وأما الهزّ والضمّ فليسا واقعين بالكاف ، فلا محذور . والثاني : أنّ الكلام على حذف مضاف تقديره : هزي إلى جهتك ، ونحوك ، واضمم إلى جهتك ونحوك . قوله : تُساقِطْ قرأ حمزة : « تساقط » بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف ، والباقون غير حفص كذلك ، إلا أنهم شددوا السين ، وحفص بضم التاء ، وتخفيف السين وكسر القاف ، فأصل قراءة غير حفص : « تتساقط » بتاءين مضارع « تُساقِطْ » ، فحذف حمزة إحدى التاءين تخفيفا ، نحو : تنزّل وتذكّرون . والباقون أدغموا التاء في السين ، وقراءة حفص مضارع ساقط ، وقرأ الأعمش والبراء بن عازب « يسّاقط » كالجماعة ، إلا أنه بالياء من تحت ، أدغم التاء في السين إذ الأصل : يتساقط ، فهو مضارع اسّاقط وأصله تساقط فأدغم ، واجتلبت همزة الوصل ك « أدّارأ » في تدارأ . ونقل عن أبي حيوة ثلاث قراءات ، وافقه مسروق في الأولى ، وهي : « تسقط » بضم التاء وسكون السين ، وكسر القاف من أسقط ، والثانية كذلك ، إلّا أنه بالياء من تحت ، الثالثة كذلك إلّا أنه رفع « رُطَباً جَنِيًّا » بالفاعلية . وقرىء : « تتساقط » بتاءين من فوق ، وهو أصل قراءة الجماعة ، وتسقط ويسقط بفتح التاء والياء وسكون السين ، وضم القاف ورفع الرطب بالفاعلية ، ويعطى من الأفعال ما يوافقه في القراءات المتقدمة ، ومن قرأ بالتاء من فوق فالفاعل مسند إما للنخلة وإما للثمرة المفهومة من السياق ، وإما للجذع ، وجاز تأنيث فعله لإضافته إلى مؤنث ، فهو كقوله : 3259 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * كما شرقت صدر القناة من الدّم « 2 » وكقراءة « تلتقطه بعض السّيّارة » « 3 » ، ومن قرأ بالياء من تحت ، فالضمير للجذع ، وقيل : للتمر المدلول عليه بالسياق ، وأما نصب « رُطَباً » فلا يخرج عن كونه تمييزا أو حالا موطئة ، إن كان الفعل متعديا . والذكي يرد كل شيء إلى ما يليق به من القراءات . وجوّز المبرد في نصبه وجها غريبا : وهو أن يكون الفعل متعديا ، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول ، وقرأ طلحة بن سليمان : « جَنِيًّا » بكسر الجيم اتباعا لكسرة النون ، والرّطب : اسم جنس ل « رطبة » بخلاف تخم ، فإنه جمع ل « تخمة » ، والفرق أنهم لزموا تذكيره ، فقالوا : هو الرّطب وتأنيث ذلك فقال : هي التّخم فذكّروا الرّطب باعتبار الجنس ، وأنث التّخم باعتبار الجمعية ، وهو فرق لطيف ، ويجمع على أرطاب شذوذا ، ك « ربع ، وأرباع » ، والرّطب : ما قطع قبل يبسه وجفافه ، وخصّ الرّطب بالرّطب من التّمر ، وأرطب النّخل ، نحو : أثمر وأجنى ، والجنيّ : ما طاب وصلح للاجتناء ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، وقيل : بمعنى فاعل أي : طريّا ، والجنيّ أيضا المجتنى من العسل وأجنى الشّجر أدرك ثمره ، وأجنيت الأرض كثر جناها ، واستعير من ذلك جنى فلان جناية كما استعير اجترم جريمة . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 26 إلى 27 ] فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 )
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : ( 21 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة يوسف آية ، ( 10 ) .