أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

491

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : - وهو المشهور - : أنه تمييز منقول من الفاعلية ، إذ الأصل : اشتعل شيب الرأس . قال الزمخشري : « شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشّعر ، وفشوّه فيه ، وأخذه منه كلّ مأخذ ، باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشّعر ومنبته ، وهو الرأس ، وأخرج الشيب مميزا ، ولم يضف الرأس ، اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا ، فمن ثمّ فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة . « انتهى وهذا من استعارة محسوس بمحسوس ، ووجه الجمع الانبساط والانتشار » . والثاني : أنه مصدر على غير المصدر ، فإن معنى اشتعل الرأس : شاب . الثالث : أنه مصدر واقع موقع الحال ، أي : شايبا أو ذا شيب . قوله : « بِدُعائِكَ » فيه وجهان : أظهرهما : أنّ المصدر مضاف لمفعوله ، أي : بدعائي إياك . والثاني : أنه مضاف لفاعله ، أي : لم أكن بدعائك لي للإيمان شقيّا . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 5 إلى 8 ] وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قوله : خِفْتُ الْمَوالِيَ . العامة على « خِفْتُ » بكسر الخاء وسكون الفاء ، وهو ماض مسند لتاء المتكلم ، و « الْمَوالِيَ » مفعول به ، بمعنى : أن مواليه كانوا شرار بني إسرائيل فخافهم على الدين . قاله الزمخشري . قال أبو البقاء : « لا بد من حذف مضاف . أي عدم الموالي ، أو جور الموالي » . وقرأ الزهري كذلك إلّا أنه سكّن ياء الموالي . وقد تقدم أنه تقدر الفتحة في الياء والواو وعليه قراءة زيد بن علي « تطعمون أهاليكم » . وتقدم إيضاح هذا . وقرأ عثمان بن عفان ، وزيد بن ثابت ، وابن باس ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن العاص ، ويحيى بن يعمر ، وعلي بن الحسين في آخرين « خفّت » بفتح الخاء والفاء مشددة ، وتاء تأنيث كسرت لالتقاء الساكنين ، والموالي : فاعل به بمعنى : درجوا وانقرضوا بالموت . قوله : « مِنْ وَرائِي » هذا متعلق في قراءة الجمهور بما تضمنه الموالي من معنى الفعل ، أي : الذين يلون الأمر بعدي ، ولا يتعلق ب « خِفْتُ » ، لفساد المعنى ، وهذا على أن يراد ب « وَرائِي » معنى : خلفي وبعدي . وأما في قراءة « خفّت » بالتشديد فيتعلق الظرف بنفس الفعل ، ويكون « وَرائِي » بمعنى : قدّامي ، والمراد : أنهم خفوا قدّامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد . ذكر هذين المعنيين الزمخشري . والموالي : بنو العمّ يدل على ذلك تفسير الشاعر لهم بذلك في قوله : 3241 - مهلا بني عمّنا مهلا موالينا * ولا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا « 1 »

--> ( 1 ) البيت للفضل بن عباس انظر المؤتلف والمختلف ( 35 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 125 ) ، الصاحبي ( 342 ) ، الكامل ( 4 / 46 ) ، البحر ( 2 / 488 ) ، القرطبي ( 11 / 78 ) .