أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

489

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

سورة مريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ( 3 ) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) قوله تعالى : ذِكْرُ . فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : فيما يتلى عليكم ذكر . الثاني : أنه خبر محذوف المبتدأ ، تقديره : المتلو ذكر أو هذا ذكر . الثالث : أنه خبر الحروف المقطعة وهو قول يحيى بن زياد . قال أبو البقاء : « وفيه بعد » ، لأنّ الخبر هو المبتدأ في المعنى ، وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة ، ولا في ذكر الرحمة معناها » . والعامة على تسكين أواخر هذه الأحرف المقطعة ، ولذلك كان بعض القراء يقف على كل حرف منها وقفة يسيرة في تمييز بعضها من بعض . وقرأ الحسن « كاف » بالضم كأنه جعلها معربة ومنعها من الصرف للعلمية والتأنيث ، وللقراء خلاف في إمالة « ياء » و « هاء » وتفخيمها ، وبعضهم يعبر عن التفخيم بالضم كما يعبر عن الإمالة بالكسر . وإنما ذكرته ، لأنّ عبارتهم في ذلك موهمة . وأظهر دال صاد قبل ذال « ذِكْرُ » نافع وابن كثير وعاصم ، لأنه الأصل ، وأدغمها فيها الباقون . والمشهور اخفاء نون « عين » قبل الصاد ، لأنها تقاربها ويشتركان في الضم ، وبعضهم يظهرها ، لأنها حروف مقطعة يقصد تمييز بعضها من بعض . ف « ذِكْرُ » مصدر مضاف ، قيل : إلى مفعوله وهو « الرّحمة » ، والرّحمة : في نفسها مصدر أيضا مضاف إلى فاعله . و « عَبْدَهُ » مفعول به ، والناصب له نفس الرحمة ، ويكون فاعل الذكر غير مذكور لفظا ، والتقدير : أن ذكر اللّه رحمته عبده . وقيل : بل « ذِكْرُ » مضاف إلى فاعله ، على الاتساع ، ويكون « عَبْدَهُ » منصوبا بنفس الذكر ، والتقدير : إن ذكرت الرحمة عبده فجعل الرحمة ذاكرة له مجازا . و « زَكَرِيَّا » بدل أو عطف بيان أو منصوب بإضمار أعني . وقرأ يحيى بن يعمر ، ونقلها الزمخشري عن الحسن « ذكّر » فعلا ماضيا مشددا ، و « رحمة » بالنصب على أنها مفعول ثان قدمت على الأول ، وهو « عَبْدَهُ » والفاعل إما ضمير القرآن ، أو ضمير الباري تعالى ، والتقدير : أنّ ذكّر القرآن المتلو ، أو ذكّر اللّه عبده رحمته ، أي : جعل العبد يذكر رحمته ، ويجوز على المجاز المتقدم أن تكون « رَحْمَةِ رَبِّكَ » هو المفعول الأول ، والمعنى : أنّ اللّه جعل الرحمة ذاكرة للعبد ، وقيل : الأصل ذكر برحمة