أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
478
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ومثله قوله تعالى : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ « 1 » . أي : بين يديه . وقوله : غَصْباً فيه أوجه : أحدها : أنه مصدر في موضع الحال ، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ ، أو منصوب على المفعول له . وهو بعيد على المعنى ، وادعى الزمخشري أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، فقال : « فإن قلت : قوله : « فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها » مسبب عن خوف الغضب عليها ، فكان حقه أن يتأخر عن السبب ، فلم قدّم عليه ؟ قلت : النية به التأخير ، وإنما قدّم للعناية به ، ولأنّ خوف الغضب ليس هو السبب وحده ، ولكن مع كونها للمساكين ، فكان بمنزلة قولك : « زيد ظنّي مقيم » . قوله : فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ . التثنية للتغليب ، يريد : أباه وأمه ، فغلّب المذكّر ، وهو سائغ ، ومثله : القمران والعمران ، وقد تقدم في يوسف ، أنّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة ، فهذا أقرب . والعامة على « مُؤْمِنَيْنِ » بالياء ، وأبو سعيد الخدري ، والجحدري : « مؤمنان » بالألف ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه على لغة بني الحرث وغيرهم . والثاني : أنّ في « كان » ضمير الشأن ، و « أبواه مؤمنان » مبتدأ وخبر في محل النصب ، كقوله : 3223 - إذا متّ كان النّاس صنفان : شامت * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 2 » فهذا أيضا محتمل للوجهين . الثالث : أن في « كان » ضمير الغلام ، أي : فكان الغلام ، والجملة بعده الخبر . وهو أحسن الوجوه . قوله : أَنْ يُبْدِلَهُما : قرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال من « بدّل » هنا ، وفي التحريم « أَنْ يُبْدِلَهُ » ، وفي القلم « أَنْ يُبْدِلَنا » والباقون بسكون الباء وتخفيف الدال من « أبدل » في المواضع الثلاثة فقيل : هما لغتان بمعنى واحد . وقال ثعلب : الإبدال تنحية جوهرة ، واستئناف أخرى . وأنشد : 3224 - غزل الأمير للأمير المبدل « 3 » قال : ألا تراه نحّى جسما ، وجعل مكانه آخر . والتبديل : تغيير الصورة إلى غيرها ، والجوهرة باقية بعينها . واحتجّ الفراء بقوله تعالى : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ . قال : والذي قال ثعلب حسن ، إلّا أنهم يجعلون : أبدلت معنى بدّلت . قلت : ومن ثمّ اختلف الناس في قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ « 4 » . هل يتغير الجسم والصفة ، أو الصفة دون الجسم ؟ قوله : رُحْماً قرأ ابن عامر « رحما » بضمتين ، والباقون بضمة وسكون ، وهما بمعنى الرحمة ، قال رؤبة : 3225 - يا منزل الرّحم على إدريسا * ومنزل اللّعن على إبليسا « 5 »
--> ( 1 ) سورة إبراهيم آية ، ( 16 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة إبراهيم آية ، ( 48 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 155 ) ، روح المعاني ( 16 / 12 ) .