أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

47

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 60 إلى 62 ] وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 ) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 61 ) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) قوله : وَما ظَنُّ . ما مبتدأة استفهامية ، و « ظَنُّ » خبرها ، و « يَوْمَ » منصوب بنفس الظن ، والمصدر مضاف لفاعله ومفعولا الظن محذوفان ، والمعنى : وأي شيء يظن الذين يفترون يوم القيامة ، أني فاعل بهم أنجيهم من العذاب ، أم أنتقم منهم ، وقرأ عيسى بن عمر « وما ظنّ الّذين » جعله فعلا ماضيا ، والموصول فاعله ، و « ما » على هذه القراءة استفهامية أيضا في محل نصبه على المصدر وقدمت ، لأن الاستفهام له صدر الكلام . والتقدير : أي ظن ظن المفترون ، و « ما » الاستفهامية قد تنوب عن المصدر ، ومنه قول الشاعر : 2623 - ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما * لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا « 1 » وتقول : « ما يضرب زيد » تريد : أي ضرب يضربه . قال الزمخشري : « أتى به فعلا ماضيا ، لأنه واقع لا محالة فكأن قد وقع وانقضى » . وهذا لا يستقيم هنا ، لأنه صار نصا في الاستقبال لعمله في الظرف المستقبل ، وهو يوم القيامة ، وإن كان بلفظ الماضي . قوله تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا . « ما » نافية في الموضعين ولذلك عطف بإعادة « لا » النافية ، وأوجب ب « إِلَّا » بعد الأفعال لكونها منفية و « فِي شَأْنٍ » خبر « تَكُونُ » والضمير في « مِنْهُ » عائد على « شَأْنٍ » و « مِنْ قُرْآنٍ » تفسير للضمير وخصّ من العموم ؛ لأنّ القرآن هو أعظم شؤونه صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل : يعود على التنزيل ، وفسّر بالقرآن لأنّ كلّ جزء منه قرآن ، وإنما أضمر قبل الذكر تعظيما له ، وقيل يعود على اللّه ، أي : وما تتلو من عند اللّه من قرآن . وقال أبو البقاء « من الشأن » أي : من أجله ، « مِنْ قُرْآنٍ » مفعول « تَتْلُوا » و « مِنْ » زائدة يعني أنها زيدت في المفعول به ، و « مِنْ » الأولى جارة للمفعول من أجله ، تقديره : وما تتلو من أجل الشأن قرآنا وزيدت ، لأن الكلام غير موجب والمجرور نكرة . وقال مكي : « مِنْهُ » الهاء عند الفراء تعود على الشأن على تقدير حذف مضاف تقديره : وما تتلو من أجل الشأن أي : يحدث لك شأن فتتلو القرآن من أجله ، والشأن مصدر شأن يشأن شأنه ، أي : قصد يقصد قصده ، وأصله الهمز ، ويجوز تخفيفه والشأن أيضا الأمر ، ويجمع على شؤون . وقوله إِلَّا كُنَّا هذه الجملة حالية وهو استثناء مفرغ ، وولى « إِلَّا » هنا الفعل الماضي دون قد لأنه قد تقدّمها فعل وهو مجوز لذلك وقوله : « إِذْ » هذا الظرف معمول ل « شُهُوداً » ، ولما كانت الأفعال السابقة المراد بها الحالة الدائمة وتنسحب على الأفعال الماضية ، كان الظرف ماضيا ، وكان المعنى : وما كنت وما تلوت وما عملتم إلّا كنّا عليكم شهودا إذ أفضتم فيه . و « إِذْ » تخلص المضارع لمعنى الماضي . قوله : « وَما يَعْزُبُ » قرأ الكسائي هنا وفي سبأ : « يعزب » بكسر الزاي ، والباقون بضمها وهما لغتان في مضارع « عزب » . يقال : عزب يعزب ويعزب أي

--> ( 1 ) تقدم .