أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

460

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يجوز أن يكون الكلام على قوله : « مُنْتَصِراً » وهذه جملة منقطعة عما قبلها ، وعلى هذا فيجوز في الكلام أوجه : أحدها : أن يكون « هُنالِكَ الْوَلايَةُ » مقدّرا بجملة فعلية ، « الْوَلايَةُ » فاعل بالظرف قبلها ، أي : استقرت الولاية للّه . و « لِلَّهِ » متعلق بالاستقرار ، أو بنفس الظرف ، لقيامه مقام العامل ، أو بنفس الولاية ، أو بمحذوف على أنه حال من « الْوَلايَةُ » وهذا إنما يتأتى على رأي الأخفش من حيث إنّ الظرف رفع الفاعل من غير اعتماده . والثاني : أن يكون « هُنالِكَ » منصوبا على الظرف ، متعلقا بخبر الولاية ، وهو « لِلَّهِ » أو بما تعلق به ، أو بمحذوف على أنه حال منها ، والعامل : الاستقرار في « لِلَّهِ » ، عند من يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي ، أو يتعلق بنفس الولاية . والثالث : أن يجعل « هُنالِكَ » هو الخبر ، و « لِلَّهِ » فضله ، والعامل فيه ما تقدم في الوجه الأول ، ويجوز أن يكون « هُنالِكَ » من تتمة ما قبلها ، فلم يتم الكلام دونه ، وهو معمول ل « مُنْتَصِراً » ، أي : وما كان منتصرا في الدار الآخرة ، و « هُنالِكَ » إشارة إليها ، وإليه نحا أبو إسحاق . وعلى هذا فيكون الوقف على « هُنالِكَ » تاما ، والابتداء بقوله : « الْوَلايَةُ لِلَّهِ » فتكون جملة من مبتدأ وخبر . والظاهر في « هُنالِكَ » أنه على موضوعه من ظرفية المكان ، كما تقدم معناه ، وتقدم أنّ الآخوين يقرآن : الولاية بالكسر ، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال فلا معنى لإعادته . وحكي عن أبي عمرو ، والأصمعي أنّ كسر الواو هنا لحن ، قالا : لأنّ فعالة إنما يجيء فيما كان صنعه ، أو معنى متقلدا ، وليس هناك توالي أمور . قوله : الْحَقِّ قرأ أبو عمرو ، والكسائي برفع « الحقّ » والباقون بجره ، فالرفع من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه صفة للولاية . الثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو ما أوحيناه إليك . الثالث : أنه مبتدأ ، وخبره مضمر ، أي : الحق ذلك وهو ما قلناه ، والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة ، وقرأ زيد بن علي ، وأبو حيوة ، وعمرو بن عبيد ، ويعقوب : « الحقّ » نصبا على المصدر المؤكد لمضمون الجملة ، كقولك : « هذا عبد اللّه الحقّ لا الباطل » . قوله : عُقْباً قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف ، والباقون بضمها ، فقيل : لغتان كالقدس والقدس . وقيل : الأصل الضم والسكون تخفيف ، وقيل : بالعكس ، كالعسر واليسر ، وهو عكس معهود في اللغة ، ونصبها ونصب « ثَواباً » ، و « أَمَلًا » على التمييز ، لأفعل التفضيل قبلها . ونقل الزمخشري : أنّه قرىء : « عقبى » بالألف ، وهي مصدر أيضا ك « بشرى » ، وتروى عن عاصم . قوله : كَماءٍ . فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون خبر مبتدأ مضمر ، فقدّره ابن عطية : هي ، أي : الحياة الدنيا . والثاني : أنه متعلق بمعنى المصدر ، أي : ضربا كماء ، قاله الحوفي . وهذا بناء منهما على أن « ضرب » هذه متعدية لواحد فقط .