أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

456

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 36 إلى 38 ] وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ( 37 ) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) قوله : خَيْراً مِنْها . قرأ أبو عمرو والكوفيون « مِنْها » بالإفراد ، نظرا إلى أقرب مذكور ، وهو قوله : « جَنَّتَهُ » وهي في مصاحف العراق دون ميم ، والباقون « منهما » بالتثنية ، نظرا إلى الأصل في قوله : « جنّتين » ، و « كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ » ، ورسمت في مصاحف الحرمين والشّام بالميم ، وكل قد وافق رسم مصحفه . قوله : مِنْ نُطْفَةٍ . النّطفة في الأصل : القطرة من الماء الصّافي ، يقال : نطف ينطف ، أي : قطر يقطر . وفي الحديث : « فخرج ورأسه ينطف » ، وفي رواية : « يقطر » وهي مفسّرة ، وأطلق على المنيّ نطفة لشبهها بذلك . قوله : « رَجُلًا » فيه وجهان : أحدهما : أنه حال ، وجاز ذلك ، وإن كان غير منتقل ولا مشتق ، لأنه جاء بعد « سَوَّاكَ » إذ كان من الجائز أن يسوّيه غير رجل ، وهو كقولهم : « خلق اللّه الزّرافة يديها أطول من رجليها » ، وقوله : 3195 - وجاءت به سبط العظام كأنّما * عمامته بين الرّجال لواء « 1 » والثاني : أنه مفعول ثان ل « سَوَّاكَ » لتضمنه معنى صيّرك ، وجعلك ، وهو ظاهر قول الحوفي . قوله : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي . قرأ ابن عامر بإثبات الألف وصلا ووقفا ، والباقون بحذفها وصلا وإثباتها وقفا ، قالوقف وفاق ، والأصل في هذه الكلمة : « لكن أنا » فنقل حركة همزة أنا اعتباطا ، فالتقى مثلان فأدغم ، وليس بشيء لجري الأول على القواعد ، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف « أنا » وصلا ، وإثباتها وقفا ، وكان تقدم لك أن نافعا يثبت ألف وصل قبل همزة مضمومة ، أو مكسورة ، أو مفتوحة بتفضيل مذكور في البقرة « 2 » ، وهنا لم يصادف همزة ، فهو على أصله أيضا ، ولو أثبت الألف هنا لكان أقرب من إثبات غيره ، لأنه أثبتها في الوصل في الجملة ، وأما ابن عامر فإنه خرج عن أصله بالجملة ، إذ لبس من إثبات هذه الألف وصلا في موضع « ما » ، وإنما اتبع الرسم ، وقد تقدم أنها لغة تميم أيضا ، وإعراب ذلك أن تكون « أنا » مبتدأ و « هُوَ » مبتدأ ثان ، وهو ضمير الشأن ، و « اللَّهُ » مبتدأ ثالث ، و « رَبِّي » خبر الثالث . والثالث وخبره الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول ، والرابط بين الأول وبين خبره « الياء » في « رَبِّي » ، ويجوز أن تكون الجلالة بدلا من « هُوَ » أو نعتا ، أو بيانا ، إذا جعل « هُوَ » عائدا على ما تقدم من قوله :

--> ( 1 ) البيت لرجل من بني بلقيس خباب بن بلقيس انظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ( 1 / 270 ) ، الخزانة ( 9 / 488 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 626 ) ، الأشموني ( 2 / 170 ) . ( 2 ) انظر آية ، رقم ( 258 ) .