أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
437
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : . . . لِنَعْلَمَ . . . . متعلق بالبعث ، والعامة على نون العظمة إلى الغيبة ، ويجوز أن يكون الفاعل « أَيُّ الْحِزْبَيْنِ » ، إذا جعلناها موصولة ، كما سيأتي . وقرىء : « ليعلم » مبنيا للمفعول ، والقائم مقام الفاعل ، قال الزمخشري : « مضمون الجملة ، كما أنه مفعول « ليعلم » . وردّه الشيخ « 1 » بأنه ليس مذهب البصريين . وتقدم هذا أول البقرة « 2 » ، وللكوفيين في قيام الجملة مقام الفاعل ، أو المفعول الذي لم يسمّ فاعله قولان : الجواز مطلقا ، والتفصيل بين ما يعلق كهذه الآية فيجوز . فالزمخشري نحا نحو قولهم ، وإذا جعلنا « أَيُّ الْحِزْبَيْنِ » موصولة ، جاز أن يكون مسندا إليه في هذه القراءة أيضا ، كما جاز إسناده إليه في القراءة قبلها . وقرىء : ليعلم بضم الياء ، والفاعل اللّه تعالى ، والمفعول الأول محذوف . تقديره : ليعلم اللّه النّاس . و « أَيُّ الْحِزْبَيْنِ » في موضع الثاني فقط ، إن كانت عرفانيّة ، وفي موضع المفعولين إن كانت يقينيّة . قوله : أَحْصى يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه أفعل تفضيل ، وهو خبر ل « أَيُّهُمْ » ، و « أَيُّهُمْ » استفهامية ، وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها . و لِما لَبِثُوا حال من « أَمَداً » ، لأنه لو تأخر عنه ، لكان نعتا له ، ويجوز أن تكون اللام على بابها من العلة ، أي : لأجل ، قاله أبو البقاء . ويجوز أن تكون زائدة ، و « ما » مفعوله إما ب « أَحْصى » على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به وإما بإضمار فعل ، و « أَمَداً » مفعول « لَبِثُوا » أو منصوب بفعل مقدّر يدلّ عليه ، أفعل عند الجمهور ، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك . والوجه الثاني : أن يكون « أَحْصى » فعلا ماضيا . و « أَمَداً » مفعوله ، و « لِما لَبِثُوا » متعلق به أو حال من « أَمَداً » واللام فيه مزيدة ، وعلى هذا ف « أَمَداً » منصوب ب « لَبِثُوا » ، و « ما » مصدرية ، أو بمعنى الذي . واختار الأول أعني كون « أَحْصى » للتفضيل الزجاج ، والتبريزي ، واختار الثاني أبو علي ، والزمخشري ، وابن عطية ، قال الزمخشري : « فإن قلت فما تقول فيمن جعله أفعل تفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد ، وذلك أنّ بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس ، نحو : « أعدى من الجرب » . و « أفلس من ابن المذلّق » شاذ . والقياس على الشاذ غير القرآن ممتنع ، فكيف به ؟ ولأن « أَمَداً » إما أن ينتصب بأفعل وأفعل لا يعمل ، وإما أن ينتصب ب « لَبِثُوا » فلا يسد عليه المعنى ، فإن زعمت أني أنصبه بفعل مضمر ، كما أضمر في قوله : 3162 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا « 3 » فقد أبعدت عن المتناول ، حيث أردت أن يكون فعلا ، ثم رجعت مضطرا إليه . وناقشه الشيخ ، فقال : « أما دعواه أنه شاذ ، فمذهب سيبويه خلافه ، وذلك أن أفعل فيه ثلاثة مذاهب : الجائز مطلقا ، ويعزى لسيبويه « 4 » . والمنع مطلقا ، وهو مذهب الفارسي . والتفصيل بين أن تكون همزته للتعدية فيمتنع ، وبين أن لا تكون ، فيجوز ، وهذا ليست الهمزة فيه للتعدية ، وأما قوله : أفعل لا يعمل فليس بصحيح لأنه لا يعمل في التمييز ، و « أَمَداً » تمييز لا
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 103 ) . ( 2 ) آية ، رقم ( 11 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 73 ) .