أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

415

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أن ينتصب بمعنى « يَبْعَثَكَ » لأنه في معنى يقيمك ، يقال : أقيم من قبره وبعث منه ، بمعنى فهو نحو : قعد جلوسا . الثالث : أنه منصوب على الحال ، أي : يبعثك ذا مقام محمود . الرابع : أنه مصدر مؤكّد ، وناصبه مقدّر ، أي : فيقوم مقاما . و « عَسى » على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعيّن فيها أن تكون التامّة ، فتكون مسندة إلى « أَنْ » وما في حيّزها إذ لو كانت ناقصة على أن يكون « أَنْ يَبْعَثَكَ » خبرا مقدما ، و « رَبُّكَ » اسما مؤخرا ، لزم من ذلك محذور : وهو الفصل بين صلة الموصول ومعمولها ، فإنّ « مَقاماً » على الأوجه الثلاثة الأول منصوب ب « يَبْعَثَكَ » وهو صلة ل « أَنْ » فإذا جعلت « رَبُّكَ » اسمها كان أجنبيا من الصلة فلا يفصل به ، وإذا جعلته فاعلا لم يكن أجنبيا فلا يبالي بالفصل به . وأمّا على الوجه الرابع فيجوز أن تكون التامّة والناقصة بالتقديم والتأخير لعدم المحذور ؛ لأنّ « مَقاماً » معمول لغير الصلة ، وهذا من محاسن صناعة النحو ، وتقدّم لك قريب من هذا في سورة إبراهيم عليه السّلام في قوله تعالى : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ . قوله تعالى : مُدْخَلَ صِدْقٍ : يحتمل أن يكون مصدرا ، وأن يكون ظرف مكان وهو الظاهر . والعامة على ضم الميم فيهما لسبقهما فعل رباعي ، وقرأ قتادة وأبو حيوة ، وإبراهيم ابن أبي عبلة ، وحميد بفتح الميم فيهما . إما لأنهما مصدران على حذف الزوائد ك أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً « 1 » ، وإما لأنهما منصوبان بمقدر موافق لهما ، تقديره : فأدخل مدخل ، وأخرج مخرج . وقد تقدم مستوفى في قراءة نافع في سورة النساء ، وأنه قرأ كذلك في سورة الحج . و « مُدْخَلَ صِدْقٍ » ، و « مُخْرَجَ صِدْقٍ » ، من إضافة التبيين ، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته ، لأنه يوصف به مبالغة . قوله : « سُلْطاناً » هو المفعول الأول للجعل والثاني : أحد الجارين المتقدمين ، والآخر متعلق باستقرار . و « نَصِيراً » يجوز أن يكون محوّلا من فاعل للمبالغة ، وأن يكون بمعنى مفعول . والزّهق : الذّهاب والاضمحلال ، قال : 3130 - ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها * إقدامه في مزالة لم تزهق « 2 » يقال : زهقت نفسه تزهق زهوقا بالضم ، وأما الزّهوق - بالفتح - فمثال مبالغة كقوله : 3131 - ضروب بنصل السّيف سوق . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 3 » [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 82 إلى 85 ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 ) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( 85 )

--> ( 1 ) سورة نوح آية ، ( 17 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 6 / 68 ) . ( 3 ) تقدم .